مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب
2020/07/01 07:32
أفلا يتدبرون القرآن ؟




ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟
إنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها ملكات الخيال ، ويشبع عطشها العاطفي .
إن في طلوع الفجر بأصوات الحياة وهو يرفل بغلائل شفافة من النور الوديع ، ومنظر سلاسل الجبال الممتدة وطيور من هنا ومن هناك ترفرف بأجنحتها إزاءها ووديان مسبوطة عند أقدامها يبعث في النفس شعوراً جديدا مفعماً بالأمل والرغبة بالحركة والانتشار.

إن إدراك الجمال في النفس خِلقةٌ ، والتأثر بأشعّته وإيحاءاته اللمَّاحة جِبلَّة .
يحدث مثل هذا الشعور عندما ينبه نص جماليّ قويّ مداركنا وقوانا من غفواتها الرتيبة .
وقديما قال أرسطو مثل هذا من أن للأقاويل الشعرية وظيفة جمالية تستجيب لها النفس طواعية .

وقالوا أن من سمات النص الأدبيّ أن يكون مكتنزاً بقيم تعبيرية وفنية ولغة شعرية مخصوصة
ليقوم بوظيفته الجمالية والتأثيرية على أكمل وجه فيحظى باهتمام القارئ .
هناك حيث تنصهر العاطفة والفكرة والصور الفنية في سياق محكم ، في تناسب واتساق .

لكن هذا النص الأدبي ذاته يمر بمنعطفات تقتضيها ضرورة القص أو الرواية في عملية التواصل مع المتلقي من تغيير في الأساليب وهزل وجد وهبوط فني أحيانا وارتفاع ليس القصد منه إلا التبصّر بالمتلقي والتروّي والخروج به من دائرة الملل .
وقد أثر عن نقاد البلاغة العربية مثل هذا القول من أن الكلام لو استمر على وتيرة واحدة من الأسلوب أو الموضوع لملّته الأسماع .

غير أن القرآن الكريم نسيج وحده .. يدهشنا بفخامة معانيه وجزالة ألفاظه وجمالية صوره الفنية وسلاسة تنقله في الشعور دون أن تكون هناك مسحة رتابة أو كسر في إيقاع .
لاشك أن المقارنة بين نص بلاغي إلهي ونص بلاغي بشري آخر قد يعتبره البعض ظلماً أو حمقاً ولكننا في الحقيقة لسنا في سياق مقارنة وإنما في سياق تأمّليّ .
ثم ما المانع من أن نترصد الجمال البياني ونكمن له في كل توهج أدبي ؟
أجل . إننا لسنا أمام لغة عادية .
إننا أمام فتح عظيم في الخطاب البياني الربّانيّ الذي يستدعي العناية والاهتمام .
لقد رأينا الرسول صلى الله عليه وسلم في كثير من المواقف خلال سيرته العطرة دؤوباً على إخراج قومه من ضلال الشرك إلى هداية الإسلام . كما رأينا أيضاً صلد قريش وتعنّتهم .
ولكن .. لماذا يفعل الرسول ذلك وعلام يجهد نفسه ؟
لأنه رسول من ربه ولأن الكفر والشرك والمعاصي خراب للمجتمعات والإسلام عمار وبناء .

وتمرّ أيام الدعوة إلى الحق .. وفي ذات يوم وقد بلغ من الرسول صلى الله عليه وسلم الجهد في الحركة والتفكير مبلغاً .. نكاد نشعر بقلب الرسول المشفق حزينا منعزلاً في الظلال يلهج بالدعاء ويدٌ من النور ندية ترف على عينيه ، نراه يُيَمِّمُ وجهه شطر السماء ، وصوت من البعيد قادم يتلو : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين) سورة القصص الآية 56

في مواضع من سورة القصص وسورة القصص كما تعلمون سورة مكية . نرى القرآن الكريم يعرض لنا الشبهات التي كانت تتردد على ألسنة المشركين في مسارات متنوعة طويلة ..!
ربما .. لاتزال بعض آثار منها عالقة في الأذهان لدى الكثير اليوم ! لا يشعر القارئ فيها بغربة !
سياق واحد يتجدد ويتوجه إلى النفس على اختلاف تحولاتها التاريخية والحضارية .

آيات سورة القصص كما هي شأن بقية الآيات مترابطة ترابطا عضوياً .. تتآلف وتتكامل في نسق بديع لتقوم بوظيفتها الرّسالية .
شيءٌ يشبه الحالة الإبداعية التي تنتاب الشاعر ! دفق شعوري ونفس من الحيوية تنسكب لحظتها في قالب لغوي واحد .. والتشبيه مع الفارق بالطبع .
فالقرآن نظام بياني فريد .. نزل على أرباب البيان ولا يزال التحدي قائماً : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ).
لكن .. شبهة ترددت على ألسنة المشركين أثارت انتباهي وحفّزتني للتأمل .
ظل القرآن يحاورها في تركيز عالي !
ابتداءً من الآية ( 56 ) إلى آية ( 67 ) .
وهذا لايعني أنها حلقة مفقودة أو أنها آية مستقلة عن سياقات السورة .
: ( وقالوا إنْ نتَّبِعِ الهدى معك نُتَخطَّفْ من أرضنا! ) إنهم يقولون أن سبب رفضهم للإسلام هو خوفهم من تعرضهم للاختطاف أو الاعتقال أو .. خوفهم من أن يتعرض موطنهم للغزو!
إن الأمر لمحيّر !
لماذا ربطوا بين الإسلام الحنيف وبين عمليات الخطف ؟ ما العلاقة ؟
سيناقش القرآن هذه الشبهة طويلاً .
لكن العجيب .. أنك في كل قراءة تشعر أن صدى الآية السابقة : ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) يظل يرنّ في أعماقك وأنت تسير في قراءتك عبر مسارات هذه الرحلة !
إنها لحُجّة مبعثها شهوة النفس بالتأكيد . لكن القرآن لايمانع من أن يناقشها ضمن منهجيته الخاصة في التصوير الحِجاجيّ .. فهو يتناول الحجة ، ومِن ثمّ يديرها من جوانب عدة ويقوم بوضعها في سياقات مناسبة مؤثرة دامغة : ( أولم نُمكّن لهم حرماً آمناً يُجبى إليه ثمرات كل شيءٍ رزقاً من لدنَّا؟!ولكنّ أكثرهم لا يعلمون )57 . وكما نلاحظ أن القرآن هنا في ردّه على هذه الشبهة يشير إلى دليل واقعي ملموس يعيشونه ولا يقدرون على نكرانه فمكة دار آمنة وأهلها آمنون .
لقد أرسل الله طيرا أبابيل من قبل لرد جيش الفيلة .
ثم ينتقل في الآية التي تليها إلى سياق تاريخي جديد وهو التذكير بمصارع القوم .. تلك الآثار والأطلال التي يعرفونها ويمرون عليها بين الفينة والأخرى : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) (58)
لكنك هذه المرة .. تشعر وأنت تنتقل إلى هذه الآية أن فيها التفاتاً إلى شيءٍ ما ! والالتفات في البلاغة هو نقل الكلام من أسلوب إلى آخر . من الغيبة إلى الخطاب والعكس بالعكس ومن الواحد إلى الجمع وهكذا .
( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) (58) . يبدو أن الخطاب هنا لا يشمل قريش وحدها !
لقد كنا قبل قليل نرى خطابين متقابلين : خطاب قريش في جهة ، يقابله خطاب القرآن من الجهة الأخرى . تحاصرهما البيئة والمكان ، ويتحكم بمسار الحِجاج : وحدة الموضوع المشترك ( الشبهة – الرد عليها ) . لكننا نلاحظ هنا أن السياق يتحرر من أسار البيئة والمكان إلى الأزمنة كلها .. ليخاطب البشرية كلها .. دون أن يكون هناك كسر في إيقاع اللغة أو المستوى الفني أو خروجا عن دائرة الخطاب الحِجاجيّ : ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ) (58) وتستمر وتيرة الخطاب في ذات الدفق والحيوية إلى آيات تليها.. في ذات السياق أيضاً ولايزال صدى : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) يرنّ في أغوار النفس تعجّباً لكننا هنا نرى أسلوباً جديدا لا عهد للأساليب اللغوية والقدرات الإبداعية به !
سينجلي ضباب الاتهام بالانطباعية عندما نستبين ذلك جلياً .
إن القرآن في هذه الآيات التي سأقوم بسردها تباعاً ينتقل بالمشركين من كفار قريش شعورياً من تلك اللحظة الزمنية الراهنة التي تشدهم من أعماقهم إلى الأرض إلى الدار الآخرة !فيريهم منازلهم ويطلعهم على أحوالهم ويصف حِجاجهم لبعضهم ومشاعرهم حيال ذلك في أجواء نفسية مهيبة ، ثم يعود بهم إلى الدنيا ثانية .. إلى منازلهم .. إلى تلك اللحظة الراهنة التي كانوا يقفون فيها في الجهة المقابلة لمحمد صلى الله عليه وسلم ،وشفاههم تنفرج عن تلك الشبهة: ( نُتخطّف من أرضنا ) ليفتح لهم باب التوبة ! ليعودوا إلى رحاب الهداية : ( فأمّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فعسى أن يكون من المفلحين ) هذه الآية رقم 67
ياللرّوعة!
ولكننا سنعود قليلاً لنأتي على السياق من أوله حتى تتضح الدلالة ويتسق الحِجاج.. تأمّلوا :
(وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (62) قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ۖ تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ ۖ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ ۚ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67)
يالها من قدرةِ خلّاقٍ حكيم!
إنه خطاب مستبصرٍ رفيقِ .. وهاب .. هادٍ .. رحيمْ
ينصب أبواب التوبة مشرعة للمقصّرين والمذنبين كي يدخلوا منه أنَّى شاؤا إلى إشراقات الهداية والمغفرة .
بل أنَّى شاء لهمُ الله .. فهو أعلم بالمهتدين .
فلا الآيات الواضحات ولا الحجج الدّامغات تقدر وحدها على التأثير والإقناع .. فمفاتيح القلوب والنفوس والعقول بيد الله . ( ثمّ تاب عليهم .. ليتوبوا ) .
إن الإسلام له تأثير خاص .. والتمسك بقيمه الأخلاقية والدعوة إلى مبادئه السامية .. يزعج المتسلطين على رقاب الناس . إذن .. فالدعاة الصادقون عرضة لا محالة إلى المعاناة والمقاساة الشديدة . وليس الحديث هنا عن حزب ولا جماعة .. إنها راية حق وإصلاح وثورة وتغيير منذ لدن آدم عليه السلام .. امتداد عبر تاريخ الإنسانية في الأرض .. يقوده موكب طويل من الأنبياء والأتباع المخلصين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد عليه الصلاة والسلام .. إلى قيام الساعة .. دعوة للحق وحده واستعانة به .. فهو الخلاق العليم لإرساء قيم العدالة .

طارق السكري


من اعمال الباحث
أضافة تعليق