مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب
2014/08/27 18:42
مسقطات النفقة الزوجية
بسم الله الرحمن الرحيم


الدكتور / حسين أحمد عبد الغني سمرة
المقدمة :-
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد •
فإن الشارع الحكيم قد رتب على عقد الزواج حقوقاً للزوجة على زوجها وحقوقاً للزوج على زوجته ، وحقوقاً مشتركة بينهما ، وبمراعاة هذه الحقوق والقيام بتلك الواجبات ممن وجبت عليه من الزوجين ، تقوى الرابطة الأسرية وتستقيم وتستقر ، وتسير حياتهما الزوجية سيراً حسناً، وقد أرشد الله تعالى في كتابه إلى ذلك حيث قال: ولهن مثل الذي عليهنّ بالمعروف (1)• فقد جعل الله للنساء حقوقاً بمقتضى الزوجية يقوم بها الرجال ، مثل ما للرجال عليهن من حقوق وواجبات ، وبهذا النص المحكم وضع الإسلام القاعدة التي تقوم عليها الحياة الزوجية وهي تبادل الحقوق والواجبات بين الزوجين ، وأرشد إلى الأساس الذي يرجع إليه في تقرير هذه الحقوق والواجبات وهو العرف المعتبر شرعاً •
ولما كان الزواج عقداً ينشأ بين الرجل والمرأة ، وبه يتم الارتباط بينهما، ومتى تم هذا العقد ترتبت عليه حقوق وواجبات للمرأة على زوجها ، فإن للزوجة على زوجها حقوقاً يلزمه القيام بها ، وهذه الحقوق بعضها حقوق مالية مثل المهر والنفقة ، وحقوق غير مالية كالعدل والإحسان في المعاملة• والنفقة واجبة للزوجة على زوجها باعتبار ذلك حكماً من أحكام عقد الزواج الصحيح ، وحقاً من حقوقه الثابتة للزوجة على زوجها بمقتضى ذلك العقد، ولذلك تجب على الزوج ولو كانت الزوجة غنية ، وسواء أكانت مسلمة أم غير مسلمة ؛ لأن سبب الوجوب هو الزواج الصحيح مع وجود الاحتباس، وهو متحقق في الزوجات جميعاً ، فالعقد الصحيح ليس هو السبب المباشر في وجود نفقة الزوجة على زوجها كما هو الشأن في المهر ، بل احتباس الزوج لزوجته ، ودخولها في طاعته ؛ ليتمكن من جني ثمرات زواجه واستيفاء حقوق الزوجية • ولما كان سبب وجوب النفقة للزوجة على زوجها قرارها في بيته واحتباسها من أجله ، فإن امتنعت الزوجة من طاعة زوجها سقطت نفقتها ؛ لأن الأحكام الشرعية تدور مع أسبابها وجوداً وعدماً، فهناك موانع ومسقطات لتلك النفقة ، وهذا البحث نتحدث فيه عن (مسقطات النفقة الزوجية) والمسقطات قد تكون في حال قيام الزوجية أو في حال عدة فرقها ، أو عدة وفاة ، ومن المسقطات ما كان متفقاً عليه بين الفقهاء ومنه ما هو غير متفق عليه ، فقد ذكرنا كل مسقط وآراء الفقهاء فيه •
والمسقطات جمع مسقط وهو من الإسقاط، والإسقاط هو الحط والإزالة• والسقوط أثر الإسقاط والمسقط سبب لوجود السقوط ، فالسبب ما يلزم من وجوده المسبب ، ومن عدمه عدمه • والنشوز وغيره سبب لسقوط النفقة ، فإذا وجد النشوز وجد سقوط النفقة ، وهكذا ، فالمسقطات سبب (كنشوز الزوجة ، وحبسها ، واغتصابها) لوجود المسبب ، وهو سقوط النفقة •
وجاء البحث على النحو التالي: عرفنا النفقة وبينا مشروعيتها، وحكمها، وسببها وشروط وجوبها • ثم تحدثنا عن مسقطات النفقة ، وبدأنا بالنشوز، ثم السفر وأداء الفرائض ، والتطوع بغير إذن الزوج والخلاف في ذلك بين مسقط وغير مسقط ، وصغر الزوجة وآراء الفقهاء في ذلك ، وتحدثنا عن مرض الزوجة وعلاجها ، وعن المرأة العاملة وما يسقط نفقتها ، وعن المحبوسة والمغتصبة ، وتحدثنا عن المعقود عليها بعقد فاسد ، وعن إبراء الزوجة لزوجها من النفقة وعن مضي الزمان وأثره في سقوط النفقة ، أو عدم سقوطها ، وإعسار الزوج بالنفقة ثم تحدثنا عن المطلقة ثلاثاً والمعتدة من وفاة ، والمعتدة من نكاح فاسد أو بشبهة ، والمعتدة بالخلع وبالملاعنة، والمرتدة، والزوجة العاصية بما يوجب حرمة المصاهرة، والمعتدة لفقد الزوج ، ومدة التربص فيه، والأمة غير المبوأة ، وبينا آراء الفقهاء في كل ذلك •
وفي النهاية ذكرت خاتمة البحث ، وبينت فيها ما انتهى إليه ، ثم ذكرت قائمة بالمصادر والمراجع • وبعد فإن كنت قد وفقت فذلك من الله تعالى، وإن كانت الأخرى فالله أسأل أن يغفر زلاتنا ويقيل عثراتنا ، وهو من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل •

تعريف النفقة :
لغة : يقال نفق الشيء ، ونفق الزاد نفّقاً : نَفِدَ • ونفقت الدابة نفوقاً: ماتت • ونفقت البضاعة نَفَاقاً: راجت ورغب فيها • واستنفق الشيء: أنفقه• ومنه الإنفاق• بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير • النفقة: الصرف• يقال لغةً أنفق ماله: أي صرفه • فأصل مادة النفقة إما من النفوق بمعنى الهلاك ، وإما من النفاق بمعنى الرواج ، وسمي المال الذي ينفقه الإنسان نفقة لما في ذلك من هلاك المال (1)•
اصطلاحاً : اسم لما يصرفه الإنسان على زوجته وعياله وأقاربه ومماليكه من طعام وكسوة ومسكن وخدمة • والمراد بنفقة الزوجة: ما تحتاج إليه لمعيشتها من الطعام والكسوة والسكن والخدمة ، وكل ما يلزم من فرش وغطاء وأدوات منزلية بحسب المتعارف بين الناس (2)•
مشروعية النفقة الزوجية :
النفقة الزوجية واجبة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول :
أما الكتاب فقوله تعالى: لينفق ذو سعةٍ من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها (1)• وقوله تعالى: وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف (2)• وقوله تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم (3)•
فقد أمر الله تعالى الأزواج بأن يسكنوا المطلقات في أثناء العدة على قدر طاقتهم ، وإذا كانت نفقة المسكن وغيرها واجبة للمطلقة على مطلقها، تكون نفقة الزوجة التي لا تزال الزوجية قائمة بينها وبين زوجها واجبة على الزوج من باب أولى (4)•
أما السنة : فقد روى جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: (اتقوا الله في النساء ، فإنهن عوان عندكم ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (5)• ورواه الترمذي بسنده عن عمرو بن الأحوص قال: (ألا إن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً ، فأما حقكم على نسائكم، فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن) (6)•
وجاءت هند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي • فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف) (1)•
قال ابن قدامة: (وفيه دلالة على وجوب النفقة على زوجها ، وأن ذلك مقدر بكفايتها ، وأن نفقة ولده عليه دونها مقدر بكفايتهم ، وأن ذلك بالمعروف، وأن لها أن تأخذ ذلك بنفسها من غير علمه إذا لم يعطها إياه)(2)•
الإجماع : اتفق الفقهاء على وجوب نفقة الرجل على من تلزمه نفقته كالزوجة ، والولد الصغير والأب ، وذلك من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، وأنه إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته بدون حق شرعي كان ظالماً، ويفرض القاضي نفقتها عليه إذا طلبت ذلك ؛ لأن المرأة محبوسة على الزواج بمنعها من التصرف والاكتساب ، فلابد من أن ينفق عليها (3)•
وأما المعقول : فإن من القواعد المقررة فقهاً ، أن من حبس لحق غيره فنفقته واجبة على ذلك الغير ، فالمفتي والوالي والقاضي ، وغيرهم من العاملين في الدولة لمنفعة المجتمع تجب نفقاتهم في بيت المال بقدر كفايتهم• وإن المرأة محبوسة على الزوج للقيام على البيت ، ورعاية شئونه، وفرغت نفسها لمنفعة زوجها ، ومنعها من التصرف والاكتساب ، فتكون نفقتها واجبة عليه (4)•
حكم النفقة الزوجية :
اتفق الفقهاء على أن نفقة الزوجة واجبة على زوجها ، فهي حق من حقوق عقد الزواج الصحيح ، فتجب النفقة للزوجة بمقتضى عقد النكاح، غنية كانت الزوجة أو فقيرة ، مسلمة أو غير مسلمة • وقد رأينا دليل الوجوب الكتاب والسنة والإجماع والمعقول (1)•
سبب وجوب النفقة :
إن سبب وجوب النفقة للزوجة على زوجها هو العقد الصحيح ، فالعقد سبب لوجوب النفقة ، كما أنه سبب لوجوب المهر ، إلا أن الفرق بينهما ، هو أن العقد في ذاته سبب لوجوب المهر ، أما النفقة فإن العقد في ذاته ليس سبباً لوجوب النفقة ، وإنما هو بسبب ما يترتب على ذلك العقد من حق الزوج في احتباس زوجته عليه ، ودخولها في طاعته ، ليتمكن من جني ثمرات زواجه ، واستيفاء حقوق الزوجية • فإذا كان عقد الزواج صحيحاً، وترتب عليه احتباس الزوجة على زوجها ، بحيث يؤدي هذا الاحتباس إلى استيفاء المقصود من الزواج ، وذلك بتسليم المرأة نفسها حقيقة أو حكماً، بأن تكون مستعدة للدخول في طاعة الزوج ، وغير ممتنعة من الانتقال إليه، ومن دخوله بها ، وجبت لها النفقة على الزوج ، أما إذا لم يتحقق هذا المعنى ، فلا تجب لها النفقة ، لعدم تحقق سبب وجوبها ، وهو الاحتباس المفضي إلى استيفاء المقصود بالزواج •
وعلى هذا فلا تجب النفقة بالزواج الفاسد ، حتى لو دخل الرجل بالمرأة؛ لأن الواجب على كل منهما الافتراق ، ولا يجوز لهما أن يتعاشرا معاشرة الأزواج ؛ لأنه لم يتحقق حق الاحتباس الموجب للنفقة (2)•
وعلى ذلك لو تزوج الرجل امرأة بعقد صحيح بحسب الظاهر وأنفق عليها مدة ، ثم تبين أن العقد غير صحيح ، كأن ثبت أن الزوجة أخت لزوجها من الرضاع ، أو النسب رجع الزوج عليها ، بما أنفق إن كان الإنفاق بحكم القاضي ؛ لأنه تبين أن الزوجة أخذت النفقة بدون حق، والزوج مضطر للإنفاق تنفيذاً لحكم القاضي • أما إذا أنفق بدون إذن القاضي فلا يرجع عليها بشيء ؛ لأنه يعد متبرعاً (1)•
وقد اختلف الفقهاء في السبب الحقيقي للوجوب ، هل الصحيح هو استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها ، أم أن سبب الوجوب هو كونها زوجة للرجل بالعقد الصحيح ؟ قال الحنفية: إن سبب وجوب النفقة هو استحقاق الحبس الثابت بالنكاح للزوج عليها ، ورتبوا عليه ألا نفقة على مسلم في نكاح فاسد ، وعلى الزوج النفقة في أثناء عدة المرأة بسبب الفرقة الحاصلة بطلاق أو بغير طلاق ، رجعي أو بائن ، حامل أو غير حامل (2)•
وقال الجمهور غير الحنفية : إن سبب وجوب النفقة هو كون المرأة زوجة للرجل ، ورتبوا عليه أنه تجب النفقة للمطلقة طلاقاً رجعياً ، أو بائناً وهي حامل لبقاء حق الزوج ، أما المبتوتة إذا كانت حاملاً ، فلها عند المالكية والشافعية السكنى ، لكن ترك القياس بقول الله تعالى: أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم (3)• والتزم الحنابلة بالقياس ، وبحديث فاطمة بنت قيس في أن المبتوتة لا نفقة لها ولا سكنى (4)•
شروط وجوب النفقة :
اختلف الفقهاء في شروط وجوب النفقة الزوجية ، ولكن هناك شروطاً عامة يكاد يتفق عليها الفقهاء من بينها ما يلي :
1- أن يكون عقد الزواج صحيحاً ، فإن كان العقد فاسداً أو باطلاً فلا تستحق الزوجة نفقة على زوجها ؛ لأن الواجب عليها في هذه الحالة الافتراق ، وتحريم المعاشرة بينهما ، وبهذا يفوت الاحتباس الذي هو سبب وجوب النفقة •
2- أن تكون الزوجة كبيرة يمكن وطؤها ، وصالحة لاستمتاع الزوج بها ، وتحقيق أغراض الزوجية وواجباتها ، فلابد أن تكون الزوجة كبيرة، أو صغيرة يمكن الدخول بها ؛ لأن ذلك يؤدي إلى الاحتباس المشروع ، فإن كانت صغيرة لا يمكن الاستمتاع بها ، ولا المؤانسة ، فلا نفقة لها ؛ لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ، ولا يتصور الوجوب مع تعذر الاستمتاع •
3- أن تمكن المرأة نفسها لزوجها تمكيناً تاماً ، إما بتسليم نفسها ، أو بإظهار استعدادها لتسليم نفسها إلى الزوج بحيث لا تمتنع عند الطلب، سواء دخل الزوج بها بالفعل ، أو لم يدخل ، دعته الزوجة أو وليها إلى الدخول بها ، أم لم تدعه ، واشترط المالكية لوجوب النفقة قبل الدخول دعوة المرأة أو وليها المجبر الزوج إلى الدخول • فإن ظلت في بيت أهلها برضاه واختياره وجبت نفقتها عليه ، وإن منعت المرأة نفسها ، أو منعها وليها أو تساكتا بعد العقد ، فلم تبذل ولم يطلب ، فلا نفقة لها ، وإن أقاما زمناً ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة ودخلت عليه بعد سنتين ، ولم ينفق إلا بعد دخوله •
4- ألا يفوت حق الزوج في احتباس الزوجة بدون مبرر شرعي، وبسبب ليس من جهته ، فإن فات على الزوج الحق في احتباس زوجته بدون مبرر شرعي ، كنشوزها عن بيت الزوجية وإن منعته من الوطء ، أما إن كان فوات الاحتباس لمبرر شرعي ، أو كان فوات الاحتباس بسبب من جهة الزوج ، فإن الزوجة تستحق النفقة •
5- ألا تفعل ما يوجب حرمة المصاهرة ، مثل مطاوعة ابن الزوج على ما يحرمها عليه ، وألا ترتد عن الدين بعد الزواج (1)•
وقال الشافعية : إذا سلمت المرأة نفسها إلى زوجها ، وتمكن من الاستمتاع بها ، ونقلها إلى حيث يريد ، وهما من أهل الاستمتاع في نكاح صحيح وجبت نفقتها ، وإن امتنعت من تسليم نفسها ، أو مكنت من استمتاع دون استمتاع ، أو في منزل دون منزل ، أو في بلد دون بلد لم تجب النفقة ؛ لأنه لم يوجد التمكين التام ، فلم تجب النفقة • فإن عرضت عليه وبذلت له التمكين التام والنقل إلى حيث يريد ، وهو حاضر وجبت عليه النفقة ؛ لأنه وجد التمكين التام ، وإن لم تسلم إليه ، ولم تعرض عليه، حتى مضى على ذلك زمان ، لم تجب النفقة (2)•
وقال الحنابلة: إن المرأة تستحق النفقة على زوجها بشرطين ، أحدهما: أن تكون كبيرة يمكن وطؤها ، فإن كانت صغيرة لا تحتمل الوطء ، فلا نفقة لها ؛ لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ، ولا يتصور ذلك مع تعذر الاستمتاع ، فلم تجب نفقتها • الثاني: أن تبذل التمكين التام من نفسها لزوجها ، فإن منعت نفسها ، أو منعها أولياؤها ، أو تساكتا بعد العقد ، فلم تبذل ولم يطلب ، فلا نفقة لها ، وإن أقاما زمناً (3)•
واشترط المالكية شروطاً لوجوب النفقة قبل الدخول وشروطاً بعده •
شروط وجوب النفقة عند المالكية قبل الدخول :
1- التمكين من الدخول : بأن تدعو المرأة زوجها بعد العقد إلى الدخول بها ، أو يدعوه وليها المجبر ، أو وكيلها ، فإن لم تحصل هذه الدعوة ، أو امتنعت من الدخول لغير عذر ، ومضت بعد العقد مدة لا تجب لها النفقة فيها مهما طالت المدة •
2- أن تكون الزوجة مطيقة للوطء ، فإن كانت الزوجة صغيرة ، لا يصلح للدخول بها فلا نفقة لها وإن دعي إلى الدخول بها • فإن دخل بها وكان بالغاً ، لزمته النفقة ، وإن كان بها مانع كرتق ، فلا نفقة لها إلا أن يتلذذ بها عالماً العيب • قال ابن عبد الرفيع: (والنفقة واجبة على الأزواج بالعقد والتمكن من الاستمتاع • ولا تجب بمجرد العقد فمن تزوج فلا نفقة عليه حتى يدخل بها ، أو يدعى إلى ذلك فيمتنع منه ، ومن تزوج صغيرة، فلا نفقة عليه حتى يبلغ الوطء ، وإذا تزوج الصغيران فلا نفقة على الزوج حتى يبلغا جميعاً) (1)• وهم يوافقون الجمهور في هذا •
3- أن يكون الزوج بالغاً ، فلو كان الزوج صغيراً ودعته الزوجة ، أو وليها المجبر إلى الدخول ، ولم يدخل لا تجب لها النفقة • وأوجب الجمهور على الصبي النفقة لامرأته الكبيرة ؛ لأنها سلمت له نفسها تسليماً صحيحاً، كما لو كان الزوج كبيراً •
4- ألا يكون أحد الزوجين مشرفاً على الموت عند الدعوة إلى الدخول بها ، فإن كان في حالة النزع ، فلا نفقة للزوجة ، لعدم القدرة على الاستمتاع بها ، فإن دخل ولو حال الإشراف على الهلاك فعليه النفقة • أما إن كان مريضاً مرضاً خفيفاً ، أو كان شديداً ولم يصل إلى حالة الإشراف على الموت ، فلا يمنع وجوب النفقة •
شروط وجوب النفقة عند المالكية بعد الدخول :
1- أن يكون الزوج موسراً ، وهو الذي يقدر على النفقة بكسبه وماله، فلو كان معسراً لا يقدر على النفقة ، لا تجب عليه النفقة مدة إعساره؛ وذلك لقول الله تعالى: لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها (1)• والمعسر لم يؤته الله ما ينفق على غيره ، فلا يكون مكلفاً بالإنفاق ما دام معسراً •
2- ألا تفوت الزوجة على الزوج حقه في الاحتباس بدون مبرر شرعي، فلو فوتت الزوجة على زوجها حق الاحتباس بدون مبرر شرعي كأن كانت ناشزة ، سواء كان نشوزها بالفعل كمن منعته من الوطء بعد الدخول ، أو العزم ، كمن قالت له ادخل ، ولكن لا أمكنك ، فلا تجب لها النفقة ؛ لأنها خارجة عن طاعة الزوج • وهم كذلك يوافقون الجمهور في هذا الشرط (2)•
وقال ابن حزم: (وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها ، دعي إلى البناء ، أو لم يدع -ولو أنها في المهد- ناشزاً كانت أو غير ناشز، غنية كانت أو فقيرة ، ذات أب كانت أو يتيمة ، بكراً أو ثيباً ، حرة أو أمة - على قدر ماله • وبرهان ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في النساء: (ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) • وهذا يوجب لهن النفقة من حين العقد) •
ورد ابن حزم على من قال لا نفقة لها في الحالات السابقة ، فقال: وهذا قول لم يأت به قرآن ، ولا سنة ، ولا قول صاحب ، ولا قياس ، ولا رأي له وجه ، ولا شك في أن الله عز وجل ، لو أراد استثناء الصغيرة، والناشز لما أغفل ذلك حتى يبينه له غيره -حاش لله من ذلك- ولا يحفظ منع الناشز من النفقة عن أحد من الصحابة ، إنما هو شيء روي عن النخعي ، والشعبي ، وحماد بن أبي سليمان ، والحسن ، والزهري ، وما نعلم لهم حجة إلا أنهم قالوا: النفقة بإزاء الجماع ، فإذا منعت الجماع منعت النفقة • وهذه حجة أفقر إلي ما يصححها مما راموا تصحيحها به، وقد كذبوا في ذلك ، ما النفقة والكسوة إلا بإزاء الزوجية ، فإذا وجدت الزوجية فالنفقة والكسوة واجبتان • والعجب كله استحلالهم ظلم الناشز في منع حقها من أجل ظلمها للزوج في منع حقه ، وهذا هو الظلم بعينه، الباطل صراحاً (1)•
وقال الزيدية : وتجب النفقة على الزوج لزوجته من يوم العقد كيف كانت ، كبيرة ولو شيخة أم صغيرة صالحة للجماع أم لا ، دخل بها أم لا، حيث لم يطلب ولا امتنعت (2)•
ورأي الجمهور في الناشزة والصغيرة هو الصواب ، لأن المرأة الناشزة هي التي خرجت عن طاعة زوجها بدون حق شرعي ، والتي خرجت من بيت زوجها بلا إذنه بغير وجه شرعي ، والتي فوتت على الرجل حق الاحتباس بغير حق ، وقد شرع الله تعالى الزواج للسكن بين الزوجين، فكيف يتحقق السكن (بمعانيه ومقتضياته) مع صغيرة أو ناشزة ، فلو أوجبنا على رأي الإمام ابن حزم النفقة للناشزة في كل حال ، لفتح ذلك أبواباً من الفساد ، ولأدى إلى تفكك الأسر ، وظلم الرجال ؛ لأننا نوجب لهن نفقة مع انعدام الاحتباس والسكن والقرار في بيت الزوجية ، ومع عدم طاعة الزوج ، ولم يشرع الزواج لهذا (3)•
وجاء في المادة (061) في كتاب قدري باشا: (تجب النفقة من حين العقد الصحيح على الزوج ولو فقيراً أو مريضاً أو غنياً أو صغيراً لا يقدر على المباشرة للزوجة غنية كانت أو فقيرة ، مسلمة أو غير مسلمة ، كبيرة أو صغيرة ، تطيق الوقاع أو تشتهي له) • قال الشيخ محمد زيد الإبياني في شرح المادة: (سواء زفت إليه أو لم تزف إذا لم تمتنع عن الزفاف إليه بغير حق ؛ لأن النفقة تكون جزاء الاحتباس) •
وبعد أن ذكرنا هذه الشروط في المذاهب، فإن هناك تفصيلات في كل مذهب بعضهم يسقط النفقة والبعض لا يسقطها سنعالجها في المباحث الآتية :
مسقطات النفقة :
أولاً : النشوز •
يقال: نشز الشيء نشزاً : أي ارتفع • والزوجة الناشزة هي التي تعصى زوجها وتسيء عشرته، والتي تخرج عن طاعة زوجها بدون حق شرعي(1)• وقال جمهور الفقهاء إن النشوز يسقط النفقة ؛ لأن احتباس الزوجة في بيت الزوجية واجب ، فإذا خرجت من بيت زوجها بغير مسوغ شرعي، سقطت نفقتها ، وكذلك إن خرجت عن طاعته وعصت أمره تعد ناشزاً وتسقط نفقتها ، والنشوز عند الحنفية يتحقق بتفويتها الاحتباس فقط، فإن تحقق الاحتباس ، وإن لم تمكنه من نفسها فإنها تستحق النفقة • ويتحقق النشوز عند المذاهب الأخرى بمنعها نفسها من زوجها بدون مبرر شرعي، وإذا منعت نفسها من زوجها بدون مبرر شرعي سقطت نفقتها (2)• قال السرخسي: وإذا تغيبت المرأة عن زوجها أو أبت أن تتحول معه إلى منزله، أو إلى حيث يريد من البلدان وقد أوفاها مهرها ، فلا نفقة لها ؛ لأنها ناشزة ، ولا نفقة للناشزة ، فإن الله تعالى أمر في حق الناشزة بمنع حظها في الصحبة بقوله تعالى: واهجروهن في المضاجع (3)• فذلك دليل على أنه تمنع كفايتها في النفقة بطريق الأولى ؛ لأن الحظ في الصحبة لهما ، وفي النفقة لها خاصة ، ولأنها إنما تستوجب النفقة بتسليمها نفسها إلى الزوج ، وتفريغها نفسها لمصالحه ، فإذا امتنعت من ذلك صارت ظالمة ، وقد فوتت ما كان يجب النفقة لها باعتباره ، فلا نفقة لها ، وقيل لشريح رحمه الله تعالى : هل للناشزة نفقة ؟ فقال: نعم ، فقيل: كم ؟ قال: جراب من تراب ، وإن رجعت الناشزة إلى بيت الزوج فنفقتها عليه ؛ لأن المسقط لنفقتها نشوزها وقد زال ذلك ، والأصل فيه قوله تعالى: فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً (1)، (2)•
قال ابن قدامة: المرأة الناشزة هي التي تعصي زوجها فيما له عليها مما أوجبه له النكاح ، وأصله من الارتفاع ، وهو المكان المرتفع ، فكأن الناشز ارتفعت عن طاعة زوجها ، فسميت ناشزاً ، فمتى امتنعت من فراشه ، أو خرجت من منزله بغير إذنه ، أو امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها، أو من السفر معه ، فلا نفقة لها في قول عامة أهل العلم ، منهم الشعبي، وحماد ، ومالك ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأصحاب الرأي ، وأبو ثور• وقال الحكم: لها النفقة • وقال ابن المنذر : لا أعلم أحداً خالف هؤلاء إلا الحكم ، ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها ، فكذلك نفقتها •
وقال ابن قدامة: ولنا أن النفقة إنما تجب في مقابلة تمكينها ، بدليل أنها لا تجب قبل تسليمها إليه ، وإذا منعها النفقة كان لها منعه التمكين ، فإذا منعته التمكين كان له منعها من النفقة كما قبل الدخول • وتخالف المهر؛ فإنه يجب بمجرد العقد ، ولذلك إذا مات أحدهما قبل الدخول وجب المهر دون النفقة • وإذا سقطت نفقة المرأة بنشوزها ، فعادت عن النشوز والزوج حاضر ، عادت نفقتها ؛ لزوال المسقط لها ، ووجود التمكين المقتضي لها، وإن كان غائباً لم تعد نفقتها حتى يعود التسليم بحضوره ، أو بحضور وكيله ، أو حكم الحاكم بالوجوب إذا مضى زمن الإمكان ؛ لأنها بنشوزها سقطت نفقتها بخروجها عن يده ، وبمنعها له من التمكين المستحق عليها، ولا يزول ذلك إلا بعودتها إلى يده ، وتمكينه منها ، ولا يحصل ذلك في غيبته ، ولذلك لو بذلت تسليم نفسها قبل دخوله بها في حالة غيبته ، لم تستحق بمجرد البذل (1)•
وقال الشربيني من الشافعية في مغني المحتاج : وتسقط النفقة بخروج الزوجة عن طاعة زوجها بعد التمكين ؛ لأنها تجب بالتسليم فتسقط بالمنع ؛ ولأن له عليها حق الحبس في مقابلة وجوب النفقة ، فإذا نشزت عليه سقط وجوب النفقة ، ولو نشزت نهاراً دون الليل أو عكسه أو بعض أحدهما سقطت نفقة جميع اليوم ؛ لأنها لا تتجزأ بدليل أنها تسلم دفعة واحدة ولا تفرق غدوة وعشية • وقيل تستحق نفقة ما قبل النشوز من زمن الطاعة بالقسط (2)•
وقال الشيرازي: إن امتنعت الزوجة من تسليم نفسها ، أو مكنت من استمتاع دون استمتاع ، أو في منزل دون منزل ، أو في بلد دون بلد ، لم تجب النفقة ؛ لأنه لم يوجد التمكين التام ، فلم تجب النفقة (3)•
وقال المالكية : وإذا دخل بامرأته ، ولزمته نفقتها ، ثم نشزت عنه، ومنعته نفسها سقطت نفقتها ، إلا أن تكون حاملاً ، فإذا عادت من نشوزها وجبت في المستقبل نفقتها (4)•
قال الخرشي : المشهور أن الزوجة إذا منعت زوجها من الوطء لغير عذر ، فإن نفقتها تسقط عنه ؛ لأن منعها نشوز ، والنفقة تسقط بالنشوز، وإذا ادعت أنها منعته لعذر كمرض فلابد من إثباته •• ولا يقبل قول الزوج هي تمنعني من وطئها حيث قالت لم أمنعه ، وإنما المانع منه ؛ لأنه يتهم على إسقاط حقها من النفقة ، وكذلك تسقط نفقتها بمنعها الاستمتاع كمن لا توطأ كالرتقاء ونحوها • وإذا خرجت من محل طاعة زوجها بغير إذنه، ولم يقدر على عودها إلى محل طاعته لا بنفسه ولا بالحاكم ، فإن ذلك يكون أشد النشوز ، فتسقط له نفقتها ، وتستحق حينئذ التعزير (1)•
وخالف ابن القاسم جماعة الفقهاء فأوجب نفقة الناشز ، ولكن ابن حزم خالف جمهور الفقهاء وأوجب النفقة للزوجة الناشز فقال: (وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها ، دعي إلى البناء ، أو لم يدع -ولو أنها في المهد- ناشزاً كانت أو غير ناشز ، غنية كانت أو فقيرة ، ذات أب كانت أو يتيمة ، بكراً أو ثيباً ، حرة أو أمة - على قدر ماله) (2)•
وقد نقلنا نص ابن حزم كاملاً عند ذكر شروط وجوب النفقة ، وذكرنا رده على فقهاء المذاهب ، وقد بينا أن رأي جمهور الفقهاء هو الأصوب• وبعد أن سقنا كلام الفقهاء يمكن أن نبين ما يعد نشوزاً وما لا يعد نشوزاً في الآتي :
ما يعد نشوزاً :
1- الامتناع من فراش الزوج ولو بمنع لمس أو غيره من مقدمات الوطء بلا عذر، فلو مكنته من الوطء ومنعته بقية الاستمتاعات يعد نشوزاً، وإذا لم تبت معه في فراشه فلا نفقة لها ؛ لأنها لم تسلم نفسها التسليم التام (3)•
2- الامتناع من الانتقال مع الزوج إلى مسكن مثلها ، فإذا امتنعت الزوجة عن الانتقال إلى منزل الزوج بدون حق وسبب شرعي ، وقد دعاها إلى الانتقال ، وأعد المسكن إعداداً كاملاً يليق بها سقطت نفقتها ، فإذا كان امتناعها عن الانتقال إلى منزل الزوج بحق شرعي ، كما إذا لم يدفع لها معجل صداقها الذي اتفقا على تعجيله ، أو الذي تعورف تعجيله ، أو دعاها إلى مسكن لا يليق بها ، فتجب لها النفقة على زوجها (1)•
3- الخروج الحقيقي من بيت الزوج بدون مبرر شرعي ، فمتى خرجت الزوجة من بيت زوجها بعد انتقالها إليه ، واستمرت خارجة مدة ، طالت هذه المدة أو قصرت ، وكان خروجها بغير إذنه سقطت نفقتها ، فإن كان خروجها بمبرر شرعي ، كأن يكون المسكن غير شرعي ، لعدم استيفائه الأدوات اللازمة ، أو لكونه مشغولاً بسكنى الغير ، أو أشرف على الانهدام، فلا تعد الزوجة ناشزة عن طاعته ، وتجب لها النفقة ، وإذا خرجت فترة ثم عادت إلى طاعة زوجها ، واستقرت في مسكنه تعود إليها النفقة من حين عودتها (2)•
4- الخروج الحكمي : فإذا كان المنزل لها ومنعته من الدخول عليها فهي كالخارجة وتسقط نفقتها ، فإذا كان الزوج يقيم مع زوجته في بيتها بإذنها ، ثم منعته من الدخول ، ولم تطلب منه الانتقال إلى مسكن آخر، ولم تترك له فرصة للبحث تسقط نفقتها ؛ لأن منعها له من غير طلب سابق، ومن غير إمهال يعد خروجاً عن طاعة الزوج، ويؤدي إلى سقوط نفقتها (3)• أما إذا طلبت من زوجها أن ينقلها من بيتها الذي يقيمان فيه إلى منزله فهذا حقها ولا تسقط نفقتها بذلك ، وإذا طلبت من زوجها أن ينقلها إلى منزل آخر يستأجره لها ، ومضت المدة الكافية للنقل إلى منزله ، أو للبحث عن منزل يستأجره ولم ينقلها ، فمنعته من الدخول عليها في بيتها ، لا تكون ناشزاً ، ولا تسقط نفقتها ؛ لأن لكل زوجة الحق في طلب نقلها من بيتها المملوك لها ، وعليه أن يعد لها مسكناً (4)•
5- امتناعها من السفر معه ، فلو دعا الزوج زوجته للسفر معه في عمل أو غيره ، ولم يوجب ما يمنعها من ذلك تعد ناشزاً وتسقط نفقتها •
فعند الحنفية: للزوج السفر بزوجته إلى بلد آخر لغرض صحيح، كالعمل في بلد غير بلده إذا أوفاها مهرها كله معجله ومؤجله ، وكان مأموناً عليها ، ولم يقصد الإضرار بها ، فإن امتنعت من السفر معه حينئذ، سقطت نفقتها ؛ لأنها ناشزة ، فإن لم يؤدها مهرها ، أو لم يكن مأموناً عليها أو قصد إضرارها ، فلها الحق في الامتناع من السفر معه ، ولا تعد ناشزة ، لقوله تعالى: ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن (1)• ولقوله : (لا ضرر ولا ضرار) (2)•
وقال المالكية : للزوج الانتقال بزوجته إذا أوفاها عاجل مهرها ، وإن لم يكن دخل بها ، ويشترط أن يكون الزوج مأموناً ، وأن يكون الطريق إلى البلد مأموناً ، وأن يكون البلد قريباً ، بحيث لا ينقطع خبر أهلها عنها ، ولا خبرها عن أهلها (3)•
وقال ابن قدامة: إن امتنعت من الانتقال معه إلى مسكن مثلها ، أو من السفر معه فلا نفقة لها (4)•
وقال السرخسي: إذا أبت الزوجة أن تتحول معه إلى منزله أو إلى حيث يريد من البلدان ، وقد أوفاها مهرها فلا نفقة لها ؛ لأنها ناشزة ، ولا نفقة للناشزة (5)• فالزوجة لا تمتنع من السفر مع زوجها إذا دعاها إلى ذلك، ولم يكن ثم عذر ولا شرط ، فإن امتنعت سقطت نفقتها •
ما لا يعد نشوزاً :
1- إذا منعت الزوجة نفسها من الزوج حتى تقبض صداقها الحال لا المؤجل ؛ لأنه لا يمكنها استدراك منفعة البضع لو عجزت عن أخذه بعد، ولها النفقة في مدة الامتناع لذلك ؛ لأنه بحق ، فإن سلمت نفسها طوعاً قبل قبض حال الصداق ثم أرادت المنع لم تملكه ، ولا نفقة لها مدة الامتناع (1)•
2- الخروج من بيت الزوج بمبرر شرعي كأن يكون المسكن غير شرعي لعدم استيفائه الأدوات اللازمة ، أو لكونه مشغولاً بسكنى الغير، أو يكون المنزل مشرفاً على انهدام ، أو أكرهت على الخروج من بيته ظلماً ، أو إذا خربت المحلة وبقي البيت منفرداً وخافت على نفسها ، وكذلك إذا خرجت إلى القاضي لطلب حقها منه ، أو إذا أعسر بالنفقة سواء أرضيت بإعساره أم لا ، أو لو خرجت لاستفتاء لم يغنها الزوج عن خروجها له ، أو لو خرجت لبيت أبيها لزيارة أو عيادة ، فلا تعد الزوجة ناشزة عن طاعته في هذه الحالات ولها النفقة (2)•
3- إذا كانت المرأة مريضة مرضاً يحول دون معاشرتها أو منعت زوجها من معاشرتها ؛ لأنها مريضة ، والوطء يضرها مع وجود المرض، ففي هذه الحالة تستحق النفقة ولم يكن منعها نشوزاً متى ما انتقلت إلى بيت الزوج ؛ لأنها بانتقالها قد تحقق شرط وجوب النفقة وهو التسليم، ووجود الزوجة في بيت الزوج فيه منفعة على كل حال ، ثم إن المرض طارئ وقتي لا دخل للزوجة فيه ، فهو كالحيض والنفاس ، وليس من المروءة ولا من حسن المعاشرة بين الزوجين أن يكون هذا المرض الطارئ حائلاً دون الإنفاق عليها ، وهي معذورة ، وقد حصل التسليم الممكن، ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه (1)•
4- وإذا منعت زوجها من الوطء لعبالته (أي كبر آلته) بحيث لا تحتملها عذر في منعها من وطئه ، وتستحق النفقة مع منع الوطء لعذرها إذا كانت عنده لحصول التسليم الممكن ، ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه (2)•
إذن في المسائل السابقة إذا كان امتناعها بحق ولها عذر أو شرط معتبر في ذلك فلا تسقط نفقتها •
إذا اختلف الزوج والزوجة في النشوز :
وإن اختلفا في نشوزها بعد الاعتراف والتسليم ، أو اختلفا في الإنفاق عليها ، أو في تسليم النفقة إليها فالقول قولها ؛ لأن الأصل عدم ذلك• واختار الشيخ تقي الدين وابن القيم في النفقة قول من يشهد له العرف؛ لأنه يعارض الأصل والظاهر ، والغالب أنها تكون راضية ، وإنما تطالبه عند الشقاق •
وقال ابن القيم : قول أهل المدينة إنه لا يقبل قول المرأة أن زوجها لم يكن ينفق عليها ويكسوها فيما مضى ، هو الصواب ، لتكذيب القرائن الظاهرة لها ، وقولهم هو الذي ندين الله به ، ولا نعتقد سواه ، والعلم الحاصل بإنفاق الزوج وكسوته في الزمن الماضي ، اعتماداً على الأمارات الظاهرة ، أقوى من الظن الحاصل باستصحاب الأصل •
وإن ادعت الزوجة يساره ليفرض الحاكم لها نفقة الموسرين ، أو قالت للزوج: كنت موسراً فيلزمك لما مضى نفقة الموسرين • فأنكر الزوج اليسار، فإن عرف له مال فقولها ؛ لأن الأصل بقاؤه ، وإن لم يعرف له مال ، ولم يكن أقر بالملاءة فالقول قوله ؛ لأنه منكر والأصل عدمه •
وإن اختلفا في بذل التسليم ، بأن ادعت بأنها بذلت التسليم ، وأنكر، فقوله ؛ لأن الأصل عدمه (1)• وإن اختلفا في وقته بأن قالت : بذلت التسليم من سنة • فقال الزوج : بل من شهر فالقول قوله ، وإن اختلفا في فرض الحاكم النفقة ، أو اختلفا في وقتها ، فقال الزوج : فرضها الحاكم منذ شهر • وقالت الزوجة : بل منذ عام فالقول قوله ؛ لأنه منكر للزائد، والأصل براءته منه • وكل من قلنا القول قوله فلخصمه عليه اليمين؛ لاحتمال صدق خصمه (2)•
قال الشيرازي : وإن اختلفا في التمكين ، فادعت المرأة أنها مكنت، وأنكر الزوج ، فالقول قوله ؛ لأن الأصل عدم التمكين ، وبراءة الذمة من النفقة (3)•
وقال الخرشي من المالكية : ولا يقبل قول الزوج هي تمنعني من وطئها حيث قالت لم أمنعه ، وإنما المانع منه ؛ لأنه يتهم على إسقاط حقها من النفقة ، والمنع من الوطء أو الاستمتاع بعلم من جهتها بأن تقر بذلك بحضرة عدلين ، أو عدل وامرأتين ، أو أحدهما مع يمين على ما يظهر، فإن قلت كيف يثبت بعدل وامرأتين مع أن المنع المذكور يترتب عليه التعزير وهو لا يثبت بذلك ، فالجواب أن المترتب عليه أن يعظها ، ثم يهجرها ثم يضربها إن أفاد (1)•
ثانياً : السفر لمصلحتها أو لأداء الفرائض بغير إذنه والخلاف في ذلك :
إذا سافرت الزوجة وحدها أو مع غير محرم فلا نفقة لها لفوات الاحتباس بسبب من جهتها ، وكذا لو كان سفرها لأداء فريضة الحج مع محرم لها ، إذا كانت لم تنتقل إلى بيت الزوج • أما إذا كان سفرها للحج الفرض مع ذي محرم لها بعد انتقالها إلى بيت زوجها فيرى محمد بن الحسن ألا نفقة لها ؛ لفوات الاحتباس • وقال أبو يوسف : إن الحج الفرض لا يسقط النفقة ؛ لأن الاحتباس قد فات بعد أن سلمت نفسها، وهو بعذر شرعي وهو أداء فريضة الحج ، ولا عصيان في سفرها ، لسفرها مع محرم لها ، والواجب لها هو نفقة الحضر لا نفقة السفر •
فإن حج معها فلها النفقة اتفاقاً ؛ لأن الاحتباس قائم لقيامه عليها • والنفقة الواجبة هي نفقة الحضر لا نفقة السفر ؛ لأن السفر لمنفعتها ، فإن كان الزوج هو الذي أراد السفر ، ودعا زوجته أن تسافر معه ، فإنه يجب عليه نفقات السفر ، ولا تكلف الزوجة من ذلك شيئاً • فإذا كان السفر لغير فريضة الحج بأن أدت الفريضة من قبل فلا نفقة لها إن سافرت مع غير الزوج ؛ لأنها ليس معذورة في السفر ، ولزوال الاحتباس (2)•
قال ابن قدامة : إذا سافرت زوجته بغير إذنه ، سقطت نفقتها عنه؛ لأنها ناشز ، وكذلك إذا انتقلت من منزله بغير إذنه • وإن سافرت بإذنه في حاجته ، فهي على نفقتها ؛ لأنها سافرت في شغله ومراده • وإن كان سفرها في حاجة نفسها ، سقطت نفقتها ؛ لأنها فوتت التمكين لحظ نفسها، وقضاء حاجتها (1)، إلا أن يكون مسافراً معها ، متمكناً من الاستمتاع بها، فلا تسقط نفقتها ؛ لأنها لم تفوت التمكين فأشبهت غير المسافرة (2)•
وإن أحرمت بالحج الواجب ، أو العمرة الواجبة ، في الوقت الواجب من الميقات فلها النفقة ؛ لأنها فعلت الواجب عليها بأصل الشرع في وقته فلم تسقط نفقتها (3)•
وقال البهوتي : إذا سافرت لحاجتها ولو بإذنه سقطت نفقتها (4)؛ لأنها منعت نفسها عنه بسبب لا من جهته فسقطت نفقتها ؛ لتفويتها التمكين لحظ نفسها ، وقضاء إربها ، إلا أن يكون معها متمكناً منها • أما إذا أحرمت بفريضة من صوم أو حج أو صلاة ولو في أول وقتها بسننها ، أو صامت قضاء رمضان في آخر شعبان فلا تسقط نفقتها ؛ لأنها فعلت ما أوجبه الشرع عليها ، وقدر النفقة في حجة فرض كحضر (5)•
قال ابن الجلاب من المالكية : ولا تسقط نفقة المرأة بحيضها ولا بنفاسها ، ولا بصومها ، ولا باعتكافها ، ولا بحجها ، ولا بمرضها ، ولا بحبسها في حق عليها ، ولا بحبس زوجها ، وسواء حبسته هي في حقها ، أو حبسه غيرها (6)•
وقال ابن عبد البر : ولا تسقط نفقة المرأة عن زوجها بشيء غير النشوز ، لا من مرض ولا حيض ، ولا نفاس ، ولا صوم ولا حج ، ولا مغيب إن غابت عنه بإذنه (7)•
وقال الخرشي : إن المرأة إذا خرجت من محل طاعة زوجها بغير إذنه، ولم يقدر على عودها إلى محل طاعته لا بنفسه ، ولا بالحاكم ، فإن ذلك يكون أشد النشوز فتسقط به نفقتها ، وتستحق حينئذ التعزير • وقال: إن المرأة إذا خرجت إلى حجة الفرض أصالة مع محرم أو مع رفقة مأمونة ولو بغير إذن زوجها فإن نفقتها لا تسقط عن زوجها ، لكن لها نفقة حضر، وعليها ما ارتفع من السعر (1)•
وعند الشافعية قال الشيرازي : وإن انتقلت المرأة من منزل الزوج إلى منزل آخر بغير إذنه ، وأو سافرت بغير إذنه سقطت نفقتها حاضراً كان الزوج أو غائباً ؛ لأنها خرجت عن قبضته وطاعته فسقطت نفقتها كالناشزة، وإن سافرت بإذنه فإن كان معها وجبت النفقة ؛ لأنها ما خرجت عن قبضته ولا طاعته ، وإن لم يكن معها ففيه قولان •
وإن أحرمت بالحج بغير إذنه سقطت نفقتها ؛ لأنه إن كان تطوعاً فقد منعت حق الزوج وهو واجب بما ليس بواجب ، وإن كان واجباً فقد منعت حق الزوج وهو على الفور بما هو على التراخي ، وإن أحرمت بإذنه فإن خرجت معه لم تسقط نفقتها ؛ لأنها لم تخرج عن طاعته وقبضته ، وإن خرجت وحدها فعلى القولين في سفرها بإذنه ، وإن منعت نفسها بصوم رمضان أو بقضائه وقد ضاق وقته لم تسقط نفقتها ؛ لأن ما استحق بالشرع لا حق للزوج في زمانه ، وإن منعت نفسها بالصلاة فإن كان بالصلوات الخمس أو السنن الراتبة لم تسقط نفقتها ؛ لأن ما ترتب بالشرع لا حق للزوج في زمانه (2)•
وعند الزيدية : تجب لها نفقة السفر حيث أحرمت بحجة الإسلام ولو بغير إذنه أو نفلاً بإذنه (3)•
ومما سبق يتبين أن الزوجة إذا سافرت بغير إذن زوجها سقطت نفقتها عنه ؛ لأنها في حكم الناشزة ، وإن سافرت بإذنه في حاجته فلا تسقط نفقتها ؛ لأنها مسافرة في شغله ومراده ، وإن كان سفرها في حاجتها بإذنه فنرى عدم سقوط نفقتها ؛ لأن ذلك برغبته ورضاه ، وإن له حقاً في الاحتباس وأسقطه طواعية ، وهو ما ذهب إليه ابن قدامة في الرواية الثانية ، وابن عبد البر من المالكية ، والشافعية في الرواية الثانية •
وأما عن أداء الفرائض رأينا أن الفقهاء قد اتفقوا على أن الزوجة إذا سافرت لحج أو غيره قبل الدخول فلا نفقة لها لفوات الاحتباس ، وكذا إن سافرت وحدها بدون محرم بعد الدخول فلا نفقة لها كذلك ؛ لفواتها الاحتباس بسبب من جهتها ، ولعصيانها بهذا السفر بدون محرم ، إلا إذا خرجت مع رفقة مأمونة فلا تسقط نفقتها عند المالكية ولو بغير إذنه •
أما إن سافرت مع محرم لأداء فريضة الحج ، فعند المالكية والحنابلة وأبي يوسف فلا تسقط نفقتها ولو بغير إذنه ؛ لأن فوات الاحتباس بمسوغ شرعي ، ولأنها فعلت ما يوجبه الشرع عليها وتسقط نفقتها عند جمهور الحنفية والشافعية في الأظهر ولو بإذن الزوج ؛ لمخالفتها الواجب عليها وانتفاء التمكين • ونحن نرجح ما ذهب إليه المالكية والحنابلة وأبي يوسف، والشافعية في الرواية الثانية أنها إذا سافرت لأداء فريضة الحج مع محرم أو رفقة مأمونة فلا تسقط نفقتها ولو بغير إذنه ، وكذلك إذا شرعت في صيام فرض وكان مفطراً لعذر وأرادها أن تفطر فلا تسقط نفقتها بصيامها ، وكذلك لو أرادت قضاء صيام رمضان في آخر شعبان أو أحرمت بصلاة في أول وقتها كل ذلك لا يسقط نفقتها ؛ لأنها فعلت ما أوجبه الشرع عليها •
قال ابن هبيرة : واتفقوا على أن المرأة إذا سافرت بإذن زوجها في غير واجب عليها أن نفقتها تسقط ، إلا مالكاً والشافعي في قول: لا تسقط نفقتها بذلك (1)•
ثالثاً : التطوع بغير إذن الزوج :
إن تطوعت بصوم أو حج أو أحرمت بنذر حج أو نذر صوم باختيارها الذي لم يوجبه الشرع عليها، ولا ندبها إليها ، وإنما صدر النذر من جهتها، أو صامت عن كفارة ، أو عن قضاء رمضان مع سعة وقته • بلا إذن زوج سقطت نفقتها ؛ لأنها منعت نفسها عنه بسبب لا من جهته ، وله تفطيرها في صوم التطوع ، ووطؤها فيها ، لأن حقه واجب ، وهو مقدم على التطوع ، وإن امتنعت فناشز (1)•
قال ابن قدامة : فإن اعتكفت فالقياس أنه كسفرها ، إن كان بغير إذن الزوج فهي ناشز لخروجها من منزل زوجها بغير إذنه فيما ليس بواجب بأصل الشرع ، وإن كان بإذنه فلا نفقة لها في قول الخرقي • وقال القاضي : لها النفقة • وإن صامت تطوعاً لم تسقط نفقتها ؛ لأنها لم تخرج عن قبضته ، ولم تأت بما يمنعه من الاستمتاع بها ، فإنه يمكنه تفطيرها ووطؤها ، فإن أراد ذلك منها فمنعته سقطت نفقتها بامتناعها من التمكين الواجب • وإن كان صوماً منذوراً معلقاً بوقت معين • قال القاضي: لها النفقة إن كان نذرها قبل النكاح ، أو كان النذر بإذنه ؛ لأنه كان واجباً بحق سابق على نكاحه ، أو واجب أذن في سببه ، وإن كان النذر في نكاحه• بغير إذنه فلا نفقة لها ؛ لأنها فوتت عليه حقه من الاستمتاع باختيارها بالنذر الذي لم يوجبه الشرع عليها ، ولا ندبها إليه • وإن كان النذر مطلقاً، أو صوم كفارة ، وصامت بإذنه ، فلها النفقة ؛ لأنها أدت الواجب بإذنه، وإن صامت بغير إذنه ، فقال القاضي : لا نفقة لها ؛ لأنها يمكنها تأخيره فإنه على التراخي ، وحق الزوج على الفور • وإن كان قضاء رمضان قبل ضيق وقته ، فكذلك ، وإن كان وقته مضيقاً ، مثل أن قرب رمضان الآخر، فعليه نفقتها ؛ لأنه واجب مضيق بأصل الشرع ، لا يملك منعها منه كالصلاة ؛ ولأنه يكون صائماً معها ، فيمتنع الاستمتاع لمعنى وجد فيه، وإذا أحرمت بحج تطوع بغير إذنه سقطت نفقتها ؛ لأنها في معنى المسافرة، وإن أحرمت به بإذنه فقال القاضي : لها النفقة ، وقال ابن قدامة: الصحيح أنها كالمسافرة ؛ لأنها بإحرامها مانعة له من التمكين فهي كالمسافرة لحاجة نفسها (1)•
قال الخرشي : إذا خرجت المرأة إلى حج التطوع فلا نفقة لها فيه على زوجها إلا أن يأذن لها ، أو يقدر على ردها فلها نفقة حضر كالفرض (2)•
وعند الشافعية قال الشيرازي : وإن منعت نفسها باعتكاف تطوع أو نذر في الذمة سقطت نفقتها ، وإن اعتكفت بإذنه وهو معها لم تسقط نفقتها ؛ لأنها في قبضته وطاعته ، وإن لم يكن معها فقولان • وإن كان عن نذر معين أذن فيه الزوج لم تسقط نفقتها ؛ لأن الزوج أذن فيه ، وأسقط حقه فلا يسقط حقها • وإن كان عن نذر لم يأذن فيه ، فإن كان بعد عقد النكاح سقطت نفقتها ؛ لأنها منعت حق الزوج بعد وجوبه ، وإن كان بنذر قبل النكاح لم تسقط نفقتها ؛ لأن ما استحق قبل النكاح لا حق للزوج في زمانه •
وإن منعت نفسها بالصوم فإن كان بتطوع ففيه وجهان ، أحدهما : لا تسقط نفقتها ؛ لأنها في قبضته • والثاني : وهو الصحيح ، أنها تسقط؛ لأنها منعت التمكين التام بما ليس بواجب فسقطت نفقتها كالناشزة ، وإن منعت نفسها بصوم القضاء قبل أن يضيق وقته ، أو بصوم كفارة أو نذر في الذمة ، سقطت نفقتها ؛ لأنها منعت حقه وهو على الفور بما هو ليس على الفور ، وإن كان التطوع بقضاء فوائت ، فإن كانت على الفور لم تسقط نفقتها ، وإن كانت على التراخي سقطت نفقتها (3)•
وعند الحنفية : إذا أحرمت بالحج ولو فرضاً سقطت نفقتها ، فالنفل أولى ، ولكن أبا يوسف جعل لها النفقة في الفرض (1)•
إذن إن سافرت لحج النفل سقطت نفقتها عند الحنفية والشافعية والحنابلة ، وقال المالكية والزيدية : إن سافرت بإذن الزوج فلا يسقط حقها في النفقة ؛ لأنها لا تعد ناشزة ، وإن سافرت بدون إذنه سقط حقها في النفقة ؛ لأنها تعد ناشزة ، ونحن نرجح هذا الرأي بأنه إذا أذن لها الزوج فلا تسقط نفقتها لأن ذلك حقه وتنازل عنه وقد أذن لها وسافرت مع محرم لها أو مع رفقة مأمونة ، وكذلك مع كل تطوع أذن فيه الزوج ، أما إذا لم يأذن لها وخالفت أمره سقطت نفقتها •
رابعاً : صغر الزوجة :
لا تجب النفقة للزوجة على زوجها إذا كانت صغيرة بحيث لا تصلح للرجال ، ولا تشتهى للوقاع ، وإن أمسكها الزوج في بيته ؛ لأن امتناع الاحتباس لمعنى فيها ، والاحتباس الموجب هو الذي يكون وسيلة إلي المقصود المستحق بالعقد ، وما لم يوجد فلا تجب لها النفقة (2)•
وقال أبو يوسف : إذا كانت الصغيرة تخدم الزوج ، وينتفع بها بالخدمة فسلمت نفسها إليه ، فإن شاء أمسكها وإن شاء ردها ، فإن أمسكها فلها النفقة ، وإن ردها فلا نفقة لها ؛ لأنها لم تحتمل الوطء ، ولم يوجد التسليم الذي أوجبه العقد ، فكان له أن يمتنع من القبول ، فإن أمسكها فلها النفقة؛ لأنه حصل له منها نوع منفعة ، وضرب من الاستمتاع ، وقد رضي بالتسليم القاصر ، وإن ردها فلا نفقة لها حتى يجيء حال يقدر منها على جماعها ؛ لانعدام التسليم الذي أوجبه العقد ، وعدم رضاه بالتسليم القاصر (3)•
فالصغيرة عند الحنفية : قد تكون صغيرة لا يمكن الانتفاع بها لا في الخدمة ولا في الائتناس ، وهذه لا نفقة لها إجماعاً ؛ لأن النفقة منوطة بالاحتباس مع إمكان استيفاء الأحكام وهذا غير متصور في مثل هذه الصغيرة • وصغيرة يمكن الانتفاع بها في الخدمة والمؤانسة ، ولكن لا يمكن الدخول بها ، وهذه قال أكثر الحنفية لا نفقة لها ؛ لأن المقصود لا يمكن استيفاؤه منها ورأى أبي يوسف أنه إذا نقلها تجب لها النفقة ؛ لإمكان الانتفاع في الخدمة والاستئناس (1)•
وجاء في المادة (661) من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية ما يلي: (إذا كانت الزوجة صغيرة لا تصلح للرجال ولا تشتهى للوقاع ولو فيما دون الفرج فلا نفقة لها على زوجها ، إلا إذا أمسكها في بيته للاستئناس بها) •
ولا نفقة للصغيرة عند بقية المذاهب وفي الأظهر عند الشافعية • قال ابن عبد البر: ولا نفقة لصغيرة لا يجامع مثلها ، ولا على صبي حتى يبلغ الوطء ولو كانت الزوجة بالغة ، فإن كان الزوجان صغيرين ، فلا نفقة حتى يبلغا (2)•
قال الشيرازي : وإن سلمت إلى الزوج أو عرض عليه وهي صغيرة لا يجامع مثلها ففيه قولان: أحدهما: تجب النفقة ؛ لأنها سلمت من غير منع• والثاني: لا تجب وهو الصحيح ؛ لأنه لم يوجد التمكين التام من الاستمتاع(3)• وجاء في مغني المحتاج : والأظهر أن لا نفقة لصغيرة لا تحتمل الوطء لتعذره لمعنى فيها• والثاني: تجب كالرتقاء والقرناء والمريضة، وأجيب عليه بأن المرض يطرأ ويزول ، والرتق والقرن مانع دائم قد رضي به ، ويشق معه ترك النفقة ، مع أن التمتع بغير الوطء لا يفوت (4)•
قال الغزالي : إن تزوج صغيرة ففي وجوب النفقة قولان ، وإن تزوج صغير من بالغة ، فقولان في وجوب النفقة ، وإذا تزوج صغير من صغيرة فقولان كذلك (1)•
وعند الحنابلة : وإن كانت الزوجة صغيرة لا يمكن وطؤها وزوجها طفل أو بالغ لم تجب نفقتها ، ولو مع تسليم نفسها أو تسليم وليها لها؛ لأنها ليست محلاً للاستمتاع بها ، فلا أثر لتسليمها (2)•
قال ابن قدامة : إن كانت الزوجة صغيرة لا تحتمل الوطء ، فلا نفقة لها ؛ لأن النفقة تجب بالتمكين من الاستمتاع ، ولا يتصور ذلك مع تعذر الاستمتاع فلم تجب نفقتها ، كما لو منعه أولياؤها من تسليم نفسها (3)•
وقال ابن حزم : وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها ، دعي إلى البناء ، أو لم يدع -ولو أنها في المهد- ، ناشزاً كانت أو غير ناشز، غنية كانت أو فقيرة ••• (4)• فابن حزم يوجب للصغيرة حتى ولو كانت في المهد النفقة على زوجها من حين العقد • وهذا لا يتصور ؛ لأن النفقة منوطة بالاحتباس مع إمكان استيفاء الأحكام ، وهذا غير متصور في مثل هذه الصغيرة •
أما الكبيرة : فلها النفقة عند الحنفية ، قال السرخسي : وإن كانت قد بلغت مبلغاً يجامع مثلها فلها النفقة على زوجها صغيراً كان زوجها أو كبيراً ؛ لأنها مسلمة نفسها في منزله ، مفرغة نفسها لحاجته ، وإنما الزوج هو الممتنع من الاستيفاء لمعنى فيه ، فلا يسقط به حقها في النفقة (5)•
قال ابن قدامة : إذا كانت المرأة كبيرة يمكن الاستمتاع بها ، فمكنته من نفسها ، أو بذلت تسليمها ، ولم تمنع نفسها ، ولا منعها أولياؤها ، فعلى زوجها الصبي نفقتها ، وبهذا قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والشافعي في أحد قوليه ، وقال في الآخر: لا نفقة لها • وهو قول مالك ؛ لأن الزوج لا يتمكن من الاستمتاع بها ، فلم تلزمه نفقتها كما لو كانت غائبة أو صغيرة •
وقال ابن قدامة : ولنا أنها سلمت نفسها تسليماً صحيحاً ، فوجبت لها النفقة ، كما لو كان الزوج كبيراً ، ولأن الاستمتاع بها ممكن ، وإنما تعذر من جهة الزوج ، كما لو تعذر التسليم لمرضه أو غيبته • وفارق ما إذا كانت غائبة أو صغيرة ، فإنها لم تسلم نفسها تسليماً صحيحاً ، ولم تبذل ذلك• فعلى هذا يجبر الولي على نفقتها من مال الصبي ؛ لأن النفقة على الصبي، وإنما الولي ينوب عنه في أداء الواجبات عليه ، كما يؤدي أروش جناياته، وقيم متلفاته ، وزكواته (1)•
وقال الشيرازي : وإن كانت كبيرة والزوج صغير ففيه قولان: أحدهما لا تجب ؛ لأنه لم يوجد التمكين من الاستمتاع • والثاني: تجب وهو الصحيح ؛ لأن التمكين وجد من جهتها ، وإنما تعذر الاستيفاء من جهته، فوجبت النفقة ، كما لو سلمت إلى الزوج وهو كبير فهرب منها (2)•
قال ابن عبد البر من المالكية : (ولا نفقة لصغيرة لا يجامع مثلها ، ولا على صبي حتى يبلغ الوطء ولو كانت الزوجة بالغة) (3)•
خامساً : مرض الزوجة :
اتفق الفقهاء على أنها إذا مرضت قبل الزفاف ، ولا يمكنها الانتقال إلى بيت الزوج فلا تستحق النفقة ؛ لأن الاحتباس غير ممكن ، ولا يتأتى الاستعداد له •
قال الشافعي : ولو دخلت عليه فمرضت مرضاً لا يقدر على إتيانها معه كانت عليه نفقتها ، وكذلك إن كان يقدر على إتيانها إذا لم تمتنع من أن يأتيها إن شاء ، وكذلك لو كانت لم تدخل عليه وخلت بينه وبين نفسها كانت عليه نفقتها • ولو أصابها شيء في الفرج يضر بالجماع ضرراً شديداً منع من جماعها إن شاءت ، وأخذ بنفقتها إلا أن يشاء أن يطلقها، وكذلك لو ارتتقت فلم يقدر على أن يأتيها أبداً بعد ما أصابها أخذ بنفقتها، من قبل أن هذا عارض لها ، لا منع منها لنفسها ، وقد جومعت ، وكانت ممن يجامع مثلها (1)•
وقال الشيرازي : وإن سلمت وهي مريضة أو رتقاء أو نحيفة لا يمكن وطؤها ، أو الزوج مريض ، أو مجبوب ، أو حسيم لا يقدر على الوطء وجبت النفقة ؛ لأنه وجد التمكين من الاستمتاع ، وما تعذر فهو سبب لا تنسب إلى التفريط (2)•
وجاء في مغني المحتاج : ولا يسقط النفقة عذر يمنع الجماع عادة كمرض ، ورتق ، وقرن ، وضنى (بالفتح والقصر مرض مدنف) وحيض ونفاس وجنون ، وإن قارنت تسليم الزوج ؛ لأنها أعذار بعضها يطرأ ويزول ، وبعضها دائم ، وهي معذورة فيها ، وقد حصل التسليم الممكن، ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه (3)•
وعند الحنابلة قال ابن قدامة : وإن بذلت الرتقاء ، أو الحائض ، أو النفساء ، أو النضوة الخلق (الهزيلة) التي لا يمكنه وطؤها أو المريضة تسليم نفسها ، ولو تعذر وطؤها لذلك ، لزمته نفقتها ؛ وإن حدث بها شيء من ذلك المرض أو غيره عنده لم تسقط نفقتها ؛ لأن الاستمتاع ممكن ولا تفريط من جهتها (4)•
ولو بذلت الصحيحة الاستمتاع بما دون الفرج لم تجب نفقتها ، لكن لو امتنعت من التسليم وهي صحيحة ، ثم حدث لها مرض فبذلت التسليم فلا نفقة لها ما دامت مريضة ، عقوبة عليها بمنعها نفسها في حالة التمكين من الاستمتاع بها فيها ، وبذلها في ضدها ، ولو منعت نفسها من التسليم لم يكن لها النفقة ؛ لأنه امتناع من جهتها ، فهو يشبه تعذر الاستمتاع لصغرها (1)•
وعند المالكية : تجب النفقة على الزوج لزوجته بأن كانا صحيحين أو كان أحدهما مريضاً مرضاً خفيفاً يمكن معه الاستمتاع ، ومع الشديد الذي لا يمكن معه الاستمتاع ، ولم يبلغ صاحبه حد السياق على مذهب المدونة خلافاً لمذهب سحنون ، فتسقط نفقتها إذا كانت مريضة مرضاً شديداً (2)•
وعند الحنفية : إذا كانت الزوجة مريضة مرضاً يمنعها من الانتقال إلى بيت الزوج فلا نفقة لها باتفاق الحنفية ، حيث لا يمكن احتباسها وهو المقابل للنفقة • أما إذا كان المرض لا يمنعها من الانتقال إلى بيت الزوج فالمفتى به عندهم، أنه يجب لها النفقة بعد انتقالها بالفعل إلى بيت الزوجية، أو عدم ممانعتها في الانتقال وإن لم تنتقل إليه ؛ لأن المرض طارئ يمكن زواله ، وعقد الزواج عقد للدوام فلا يسقط الحق الدائم بعارض من العوارض لا دخل للزوجة فيه (3)•
وهذا إذا كان المرض سابقاً على الزفاف ، فإن جاءها المرض بعده فلا تسقط نفقتها ، فتستحق النفقة إذا كانت مريضة مرضاً يحول دون معاشرتها متى انتقلت إلى بيت الزوج ، سواء مرضت الزوجة عند الزوج بعد الزفاف ، والانتقال إلى منزله ، أو كانت مريضة حين انتقالها إليه، وذلك لأنه بالانتقال قد تحقق التسليم ، وهو شرط وجوب النفقة ، وإن وجود الزوجة في بيت الزوج فيه منفعة ، فإنه يستأنس بها ، ويمسها، وتحفظ البيت ، ولوجود التمكين من بعض الاستمتاع كما في الحائض والنفساء ، ثم إن المرض طارئ وقتي ، لا دخل للزوجة فيه ، فهو كالحيض والنفاس ، وليس من المروءة ولا من حسن المعاشرة بين الزوجين أن يكون هذا المرض الطارئ حائلاً دون الإنفاق عليها •
وقال الحلواني: قالوا إذا مرضت مرضاً لا يمكن الانتفاع بها بوجه من الوجوه تسقط النفقة، وإن كان مرضاً يمكن الانتفاع بها بنوع انتفاع لا تسقط(1)•
وعند الظاهرية لما كان وجوب النفقة عندهم بمجرد العقد بغض النظر عن انتقالها إلى بيت الزوجية أو عدم انتقالها إليه ، فإن هذا يقتضي بداهة عدم تأثير مرض الزوجة على حقها في النفقة لدى زوجها •
فإن ذهبت الزوجة إلى بيت أهلها ، فمرضت عند أهلها ، أو كانت مريضة في بيت الزوج ، ثم انتقلت إلى بيت أهلها لتمرض فيه ، لا تسقط نفقتها إلا إذا طلب الزوج منها أن تعود إلى بيته ، وكانت تستطيع العودة إليه ، فامتنعت ، فلا نفقة لها لتحقق النشوز منها في هذه الحالة • أما إذا كانت مريضة مرضاً لا تستطيع معه الرجوع إلى بيت زوجها ، فلها النفقة؛ لأن إجابة طلب الزوج في العودة غير ممكنة ، فلا تسقط نفقتها ، ولا تعد ناشزة في رفض طلبه (2)•
وجاءت المادتان (361، 761) في الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية تبينان حكم النفقة على الزوجة المريضة ، فجاء في المادة (361) : (إذا مرضت المرأة مرضاً يمنع من مباشرتها بعد الزفاف والنقلة إلى منزل زوجها ، أو قبلها ، ثم انتقلت إليه وهي مريضة ، أو لم تنتقل ، ولم تمنع نفسها بغير حق ، فلها النفقة عليه ، فلو مرضت في بيت الزوج ثم انتقلت إلى بيت أهلها ، فإن طالبها الزوج النقلة ، ولم يمكنها الانتقال بمحفة أو نحوها فلها النفقة ، وإن امتنعت بغير حق مع قدرتها على الانتقال بنحو ما ذكر فلا نفقة لها) •
وجاء في المادة (761): (المريضة التي لم تزف إلى زوجها ولم يمكنها الانتقال أصلاً لا نفقة لها) • ونحن نرجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء في وجوب النفقة للمرأة المريضة ؛ لأن ذلك يتوافق مع معنى الزوجية وغايتها السامية ، وليس من حسن العشرة بين الزوجين أن يكون مرضها مانعاً للزوج من الإنفاق عليها ، بل إنه يدعو إليه ، وقد أخذ قانون الأحوال الشخصية بهذا ، ففي الفقرة الثانية من المادة الثانية من القانون رقم (52) لسنة 0291 والمعدل بالقانون رقم (001) لسنة 5891: (ولا يمنع مرض الزوجة من استحقاقها للنفقة) • وقد استثنت المذكرة التفسيرية من استحقاق الزوجة للنفقة الزوجة المريضة إذا لم تزف إلى زوجها في حالة عجزها عن الانتقال إلى منزل الزوجية •
نفقة العلاج :
هل يدخل في نفقات المرأة المريضة نفقة العلاج أم لا ؟
قرر فقهاء المذاهب الأربعة أن الزوج لا يجب عليه أجرة دواء زوجته المريضة ، وذلك من أجرة طبيب وحاجم وفاصد وثمن دواء ، ولو مرضت في منزل الزوجية ، وإنما تكون النفقة في مالها إن كان لها مال ، وإن لم يكن لها مال وجبت على من تلزمه نفقتها ، ويعللون ذلك بأن الزوج لا يلزمه إلا النفقة التي تقوم بها الحياة غالباً ، وهي حياة الصحة لا المرض؛ ولأن التداوي لحفظ أصل الجسم ، فلا يجب على مستحق المنفعة ، كعمارة الدار المستأجرة ، تجب على المالك لا على المستأجر ، فلا يجب على الزوج نفقات العلاج على أي حال (2)•
قال الحنفية : ولا يلزمه مداواتها ولا يلزمه أن يأتي بدواء المرض ، ولا يلزمه أجرة الطبيب ، ولا الفصد ، ولا الحجامة (1)•
قال الخرشي : لا يلزم الزوج الدواء لزوجته عند مرضها ، لا أعيان ولا أثمان ، ومنه أجرة الطبيب ، وكذلك لا يلزمه لها أجرة الحجام الذي يحجمها (3)•
قال ابن قدامة : ولا يجب عليه شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب ؛ لأنه يراد لإصلاح الجسم فلا يلزمه ، كما لا يلزم المستأجر بناء ما يقع من الدار ، وحفظ أصولها ، وكذلك أجرة الحجام والفاصد (4)•
وقال البهوتي : ولا يلزم الزوج لزوجته دواء وأجرة طبيب إذا مرضت؛ لأن ذلك ليس من حاجتها الضرورية المعتادة (5)•
وقال الشيرازي : وأما الأدوية وأجرة الطبيب والحجام فلا تجب عليه؛ لأنه ليس من النفقة الثابتة ، وإنما يحتاج إليه لعارض ، وأنه يراد لإصلاح الجسم ، فلا يلزمه ، كما لا يلزم المستأجر إصلاح ما انهدم من الدار (6)•
قال النووي : لا تستحق الزوجة الدواء للمرض ولا أجرة الطبيب والفصاد والحجام والختان (1)•
ويرى الزيدية في الرأي الراجح عندهم : أن نفقات علاج الزوجة تعد من نفقتها الواجبة لها على الزوج ؛ لأن حاجتها إلى العلاج لا تقل في شيء عن سائر حوائجها الأخرى (2)• ورأي الزيدية هو ما نختاره ونؤيده ؛ لأن هذا هو ما تقتضيه المعاشرة الزوجية ، وحسن الصحبة ، فينبغي أن تكون مصاريف العلاج واجبة على الزوج متى كان قادراً ؛ لأن حاجة الزوجة إلى العلاج وهي مريضة لا تقل عن حاجتها إلى الطعام والكسوة والمسكن والخدمة وهي صحيحة • وهذا الرأي هو ما يتلاءم مع المبادئ العامة للشريعة الإسلامية ، وما يقتضيه واجب الوفاء وحسن العشرة ، وعلى الرجل أن يقف بجوار زوجته في محنتها ، فلا يعقل أن يستمتع بها في حال صحتها ثم يتركها في حال مرضها ، ولقد أصبحت الحاجة إلي العلاج الآن كالحاجة إلى الطعام ، بل أهم ، ولأن المريض يفضل غالباً ما يتداوى به على ما يأكله ، وهل يمكن للإنسان أن يتناول طعاماً وهو يتوجع ويتألم من المرض ؟ • فإن المروءة تقتضي أن يدفع الزوج نفقات زوجته المريضة متى كان قادراً ، ولو كانت موسرة ، لكي يشعرها في مرضها أنها موضع اهتمامه ، ومكان تقديره ، وحتى يطيب بذلك خاطرها (3)•
وقد قضت المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم (52) لسنة 0291والمستبدلة بالمادة الثانية من القانون رقم (001) لسنة 5891 على أن: (تشمل النفقة الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضي به الشرع) • ولذا فقد جاء هذا النص في فقرته الأخيرة بما ذهب إليه مذهب الزيدية من أن ثمن الأدوية وأجرة الطبيب من نفقة الزوجة، وعدل المشروع بهذا عن مذهب الحنفية في هذا الموضع (1)•
سادساً : عمل الزوجة :
أصبحت المرأة في عصرنا الحاضر تخرج للعمل بصورة أوسع مما كانت عليه في العصور المتقدمة ، فأصبحت تشارك الرجل في جميع الأعمال ، والإسلام لا يمنع خروج المرأة للعمل طالما أن المجتمع يحتاج إلى عملها ، وطالما أنها تخرج بالضوابط الشرعية وتعمل فيما يناسب أنوثتها، وطالما أن هناك ضرورة لخروجها ، وأن ذلك لا يؤثر في حياتها الزوجية، وأن يكون خروجها بموافقة زوجها •
فإذا كان للمرأة حرفة كأن تكون طبيبة أو مدرسة أو محامية أو ممرضة ونحو ذلك من الأعمال التي تستدعي أن تقضي نهارها أو بعضه، أو الليل أو بعضه خارج البيت ، وإن الزوج قد رضي بهذا الخروج ولم يمنعها من العمل واستمرت في عملها وجبت لها النفقة ؛ لأن احتباس الزوجة حق للزوج ، فله أن يتنازل عنه ؛ لأنه برضاه ، وقد أسقط حقه في الاحتباس الكامل ، واكتفى منه بالناقص (2)•
أما إذا لم يرض الزوج باحتراف زوجته ، ونهاها عن الخروج للعمل من مبدأ الحياة الزوجية ، وخرجت للعمل بدون رضاه ، ولم تمتثل ، فإن ذلك يسقط حقها في النفقة ؛ لأن وجوب النفقة منوط باحتباس الزوجة احتباساً كاملاً لمصالح الزوج ، وخروجها للعمل بدون رضاه يخل بهذا الاحتباس، فلا يكون لها حق في النفقة ؛ ولأن الاحتباس في هذه الحالة ناقص غير كامل ، فلو سلمت المرأة نفسها بالليل دون النهار أو عكسه ، فلا نفقة لنقص التسليم (1)•
أما إذا رضي الزوج بعملها أول الأمر ، ثم بعد ذلك رجع وطلب منها الامتناع عن العمل ، لما يترتب عليه من اضطراب الحياة الزوجية ، أو حاجته إلىها ، أو جدت أمور في الحياة الزوجية تستدعي وجودها في منزلها ، أو أن العمل لا يليق بها أو بزوجها ، ولم تجبه إلى طلبه ولم تمتنع عن العمل سقطت نفقتها ؛ لأن عملها بعد نهي الزوج يعد نشوزاً منها، والنشوز يسقط حق الزوجة في النفقة ، فما دام الزوج لم يقصر في النفقة ، وعنده القدرة على متطلبات الحياة ، وهناك ضرورة تستدعي وجودها في منزلها ، أو لم تكن ثم ضرورة ورأى الزوج أن من الأفضل بقاءها في منزلها ، كان له ذلك ، ووجب عليها أن تطيعه ؛ لأن حق الزوج في الطاعة وقرار زوجته في منزله من الحقوق الأصلية التي لا تسقط بالإسقاط ، ففي كل الحالات السابقة إذا عصته سقطت نفقتها (2)•
ولكن العمل الآن في القضاء المصري يجري على فرض النفقة للزوجة المحترفة ، سواء رضي الزوج بذلك أم أبى ؛ لأن إقدام الزوج على الزواج بها وهو يعلم أن لها عملاً يجعلها تترك البيت نهاراً أو ليلاً ، ولم يشترط عليها ترك العمل حين العقد يعد رضاً منه بسقوط حقه في الاحتباس الكامل •
فقد نصت المادة الأولى من القانون رقم (52) لسنة 0291 والمعدل بالقانون رقم 001 لسنة 5891م على الآتي: (••• ولا يعتبر سبباً لسقوط نفقة الزوجة خروجها من مسكن الزوجية -دون إذن زوجها- في الأحوال التي يباح فيها ذلك بحكم الشرع مما ورد به نص ، أو جرى به عرف ، أو قضت به ضرورة ، ولا خروجها للعمل المشروع ما لم يظهر أن استعمالها لهذا الحق المشروط مشوب بإساءة استعمال الحق ، أو مناف لمصلحة الأسرة ، وطلب منها الزوج الامتناع عنه) (1)•
وجاء في المذكرة التفسيرية للقانون السابق أنه: (لا يعتبر خروج المرأة للعمل المشروع إذا أذنها الزوج بالعمل ، أو عملت دون اعتراض منه ، أو تزوجها عالماً بعملها ، فلا يعتبر ذلك خروجاً بدون إذن الزوج ، ولا يترتب عليه سقوط نفقتها ، وذلك ما لم يظهر أن عملها مناف لمصلحة الأسرة ، أو مشوب بإساءة استعمال الحق ، وطلب منها الزوج الامتناع عنه ، وغني عن البيان أن الفصل عند الخلاف في كل ذلك للقاضي) (2)•
في الحالات السابقة من المادة السابقة وشرحها يعتبر القانون أن خروج الزوجة للعمل غير مسقط لنفقتها ، ولا يجوز لزوجها أن يمنعها من الخروج لعملها ، وإذا خرجت لا تعد ناشزة ولا تسقط نفقتها ، قيد ذلك بقيدين :
الأول: ألا تسيء استعمال هذا الحق للعمل المشروع ، فإن أساءت استعماله ، وتهاونت في شؤون الحياة الزوجية كان للزوج أن يطالبها بالامتناع عن العمل •
الثاني : ألا يطرأ على الأسرة ما يجعل استمرارها في العمل منافياً لمصحلتها ، فإذا طرأ على الأسرة ما يستدعي بقاء الزوجة في المنزل، وعدم خروجها للعمل ، كان لزوجها أن يطالبها بالامتناع عن العمل ، سواء اتصل ذلك بالزوجة أو الزوج أو الأولاد (1)•
وكان ينبغي أن ينص القانون على أن ذلك حق الرجل ، فمتى أراد منها أن تمتنع عن العمل فله ذلك ؛ لأن ذلك حقه على المرأة مقابل النفقة ، وحق الرجل هنا هو تفرغ المرأة لبيته والذي عبر عنه الفقهاء جميعاً بالاحتباس، فإذا لم يتحقق الاحتباس على الوجه الكامل فلا نفقة ، إلا إذا كان نقص الاحتباس بموافقته ورضاه •
فقد يوافق أول الأمر على عملها ولكن قد جدت أمور في حياته تجعله لا يوافق على عملها ، فقد يكون بياتها خارج بيتها ، يؤثر في أولادها ، أو يضعفها وينقص جمالها ، أو عملها كسكرتيرة لكبار الموظفين أو مضيفة في الطائرة أو غير ذلك من الأعمال التي تجعلها تقضي وقتاً طويلاً خارج البيت مما يضيق به الرجل ، وقد يرى القاضي عدم إساءة المرأة لهذا الحق، وعدم منافاة الخروج لمصلحة الأسرة ، بينما يرى الزوج غير ذلك فيجب أن يحترم رأيه ؛ لأن هذا حقه ، وهناك عوامل نفسية قد لا يستطيع الزوج إثباتها أمام القاضي ، وقد لا يريد إحراج زوجته ولا ينبغي أن يقال: إن القانون قد اشترط لوجوب نفقتها هنا عدم إساءتها لهذا الحق ، وعدم إضرار الخروج بمصلحة الأسرة ، ومن ثم فلا يكون من حق الرجل بعد ذلك الاعتراض على خروجها ، ولا الامتناع عن الإنفاق عليها ، فإن امتنع عنه أجبر قانوناً (2)•
إن الرجل قد يطلب من زوجته ترك العمل لا بسبب شك في سلوكها، ولكن لتضرره من عملها دون رغبته ، أو لأن الجو المحيط بها في العمل يكون غير لائق بها ولا به ، أو قد يريدها لمؤانسته في بيته إذا كان عمله يتطلب أن يمكث كثيراً في البيت ، كأن يكون قاضياً أو أستاذاً جامعياً ، أو أن تقوم على أولاده ورعاية بيته أو غير ذلك ، فكيف إذا طلب الزوج ذلك، واستخدم حقه الشرعي ؛ يقال له ليس ذلك لك قانوناً ما دامت لم تسئ استعمال حقها ، وطالما وافقت على عملها من قبل (1)• فكان على القانون ألا يهمل الجوانب النفسية للرجل ، وأن يجعل حق الاحتباس حقاً كاملاً للرجل على زوجته ، وأن مجرد تضرر الزوج من عمل زوجته دون رغبته يسقط نفقتها ، طالما أنه غير متعسف والقرائن تدل على أنه غير متعسف في منعها وأن بيتها يحتاجها ، ولكن القانون لم يجعل للزوج أن يمنعها إلا في أضيق الحدود •
ولا يفهم مما قلناه أن ذلك انحياز إلى جانب الرجل ، ولكن ذلك حق الرجل في الاحتباس ، وكل حالة تقدر بقدرها ، ولا يفهم من ذلك أن الإسلام يضيق على المرأة أو أن الإسلام يمنع عمل المرأة ، إن المرأة في الإسلام شريكة الرجل ، وتعمل كل الأعمال التي تناسبها والتي يتطلبها المجتمع ويحتاج إليها فيها ، ما دام هناك اتفاق بين الزوجين على العمل، وأن ذلك لا يتعارض مع الحياة الزوجية ولا يؤثر فيها ، ووافق الزوج على عملها ، فلقد كانت المرأة تخرج في الغزوات تجاهد وتقاتل وتداوي ، وكانت المرأة تتعلم وتعلم ، وكل ذلك في إطار الضوابط الشرعية ، فإذا تزوجت المرأة فلها حقوق وعليها واجبات ، والزوج الذي يمنع زوجته من العمل يتكلف النفقة على زوجته بما يليق بها من مطعم ومشرب وملبس ومسكن وخادم إن كانت تخدم في بيت أبيها •
وإن المرأة لها أن تعمل ولها أن تسعى على نفسها وأولادها، فيما يناسبها وبالضوابط الشرعية إذا لم يكن لها عائل يعولها ، أما إذا كان لها عائل يتكفل بها وبأولادها ولا يقصد في واجبه تجاه أسرته ، وينفق عليها النفقة اللائقة بها ، ومنع زوجته من العمل ، فله ذلك ؛ لأن ذلك حقه، ومقتضى عقد الزواج يعطيه ذلك ، وعليها أن تطيعه فإذا لم تطعه سقطت نفقتها •
اشتراط الزوجة العمل عند العقد :
فلو اشترطت الزوجة ، حين العقد بقاءها في العمل الذي يضطرها إلى ترك البيت مدة ليلاً أو نهاراً فهذا الشرط فاسد عند الحنفية ، فيلغى ولا يبطل العقد باشتراطه ، وعلى هذا فللزوج أن يمنعها من العمل ، فإن استمرت فيه كانت ناشزة فيسقط حقها في النفقة (1)•
وقال المالكية : إن هذا الشرط صحيح لكنه مكروه ؛ لأن فيه تحجيراً على الرجل في معاشرة المرأة ، كما لو شرطت عليه ألا يتزوج عليها ، أو ألا ينقلها من دار أبيها أو من بلدها ، فلا يلزم الوفاء به ولكن يستحب ، وعلى هذا فللزوج أن يمنع المرأة من العمل ، فإن لم تمتنع عنه كانت ناشزة، فيسقط حقها في النفقة (2)•
وعند الشافعية هذا شرط فاسد فيلغى ، فالعقد صحيح ويفسد الشرط؛ لأنه يخالف مقتضى العقد (1)•
أما الحنابلة : فهذا الشرط صحيح عندهم ؛ لأن الاحتباس الكامل حق للزوج ، فيكون له أن يتنازل عنه بقبول بقاء المرأة في العمل بعد الزواج، وعلى هذا لا يكون للزوج أن يمنع المرأة من العمل ، ولو منعها ولم تمتنع لا تكون ناشزة ، فلا يسقط حقها في النفقة (2)•
وللزوجة أن تقوم بأي عمل في منزلها بشرط ألا يتنافى هذا العمل مع حقوق الزوجية ، وألا تؤدي هذه المهنة إلى إضعافها ونقصان جمالها، وللزوج أن يمنعها من ذلك العمل الذي يؤثر فيها ، ولكنها لا تعد ناشزة إذا خالفته ، ولا تسقط بذلك نفقتها ؛ لأن الاحتباس موجود ، وللزوج أن يؤدبها لعصيانها أمره ، كما هو الشأن في كل الأمور التي تخالف الزوجة أمر زوجها فيها ، وهي في بيته (3)•
سابعاً : حبس الزوجة :
عند الحنفية : إذا حبست الزوجة بدين ، فإما أن يكون الحابس لها غير الزوج ، أو الزوج ، فإن كان الأول فلا تجب لها النفقة ، سواء كانت قادرة على أداء الدين أو غير قادرة ؛ لأنها إذا كانت قادرة ففوات الاحتباس منها بالمماطلة ، وإن كانت عاجزة عن أدائه ففوات الاحتباس ليس من الزوج، فلا تجب عليه نفقتها • ولا نفقة لها أيضاً إذا حبست بغير دين ولو كان حبسها ظلماً ؛ لأن المعتبر في سقوط نفقتها فوات الاحتباس ، لا من جهة الزوج، وقد فات الاحتباس هنا لا من جهته ، وهذا هو الصحيح •
وقال أبو يوسف : إن كان حبسها بدين لا تقدر على أدائه ، أو حبست ظلماً تجب لها النفقة • وجاء في المادة (071) من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: (إذا حبست المرأة ولو في دين لا تقدر على إيفائه فلا يلزم زوجها نفقتها مدة حبسها إلا إذا كان هو الذي حبسها في دين له)• وإن كان الحابس لها هو الزوج ، فلا تسقط نفقتها ؛ لأن فوات الاحتباس من جهته ، فكان باقياً تقديراً ، فتجب النفقة (1)•
وقال الكرخي من الحنفية : إنها إذا كانت محبوسة في دين من قبل النقلة ، فإن كانت تقدر على أن تخلي بينه وبين نفسها فلها النفقة ، وإن كانت في موضع لا تقدر على التخلية فلا نفقة لها ؛ لأنها إذا كانت تقدر على أن توصله إليها ، فالظاهر منها عدم المنع لو طالبها الزوج ، وهذا تفسير التسليم ، فإن لم يطالبها فالتقصير جاء من قبله ، فلا يسقط حقها• وإن كانت لا تقدر على التخلية ، فالتسليم فات بمعنى من قبلها وهو مماطلتها فلا تستوجب النفقة •
ولو حبست بعد النقلة لم تبطل نفقتها ، وذكر القدوري أن ما ذكره الكرخي في الحبس محمول على ما إذا كانت محبوسة لا تقدر على قضائه، فأما إذا كانت قادرة على القضاء فلم تقض ، فلا نفقة لها وهذا صحيح؛ لأنها إذا لم تقض مع القدرة على القضاء وصارت كأنها حبست نفسها، فتصير بمعنى الناشزة (2)•
وقال المالكية : ولا تسقط نفقتها بحبسها في دين شرعي ، ترتب عليها لا تقدر على أدائه ؛ لأن المانع من الاستمتاع ليس من جهتها ؛ وكذلك لا تسقط نفقتها بحبس زوجها في دين ترتب عليه لها أو لغيرها ؛ لاحتمال أن يكون معه مال أو أخفاه ، فيكون متمكناً من الاستمتاع لعدم أدائه لما هو عليه (1)• وأما لو كان الحبس من جهتها ، بأن كانت مماطلة ، فإنها تسقط نفقتها (2)•
وقال الشافعية : وتسقط نفقتها بحبسها ولو ظلماً ، ولو حبسها الزوج بدينه ، فإن منعته منه عناداً سقطت نفقتها ، وإن كان لإعسار تسقط (3)•
وقال الحنابلة : أي زوجة حبست عن زوجها ، ولو كان حبسها ظلماً سقطت نفقتها ، لفوات التمكين المقابل للنفقة (4)•
ونحن نرى أن حبس الزوجة ظلماً ، أو لسبب دين عليها وهي معسرة أن ذلك لا يسقط نفقتها كما ذهب إلى ذلك أبو يوسف والمالكية وبعض الزيدية ؛ لأن فوات الاحتباس ليس من جهتها ، ولا دخل لها فيه ، فلا يسقط حقها في النفقة • أما إن كان حبسها بسبب جريمة ارتكبتها ، أو بسبب دين ماطلت فيه ، فلا تجب لها النفقة مدة الحبس ؛ لأن فوات حق الزوج في الاحتباس بسبب من الزوجة ، فيكون نشوزاً فيسقط حقها في النفقة •
وقد أخذ القانون بأن نفقتها تسقط بحبسها ، حيث جاء في المادة (1) من قانون الأحوال الشخصية: (ولا تجب النفقة للزوجة إذا ارتدت ، أو امتنعت مختارة عن تسليم نفسها دون حق ، أو اضطرت إلى ذلك بسبب ليس من قبل الزوج) • وجاء في المذكرة التفسيرية: (ثم أبان الاقتراح في الفقرة الرابعة أحوال سقوط نفقة الزوجة في حال امتناعها مختارة عن تسليم نفسها لزوجها بدون حق أو اضطرارها إلى ذلك بسبب ليس من قبل الزوج كما إذا حبست ولو بغير حكم أو اعتقلت) •
ومعلوم أنه إذا حبس الزوج في جريمة ارتكبها فلا تسقط نفقة زوجته عنه ، أو كان الحبس بسبب دين لزوجته ، أو كان الزوج مريضاً مرضاً يمنعه من الاتصال الجنسي بزوجته ؛ لأن فوات الاحتباس بسبب من جهة الزوج ، فلا يفوت به حق الزوجة في النفقة (1)•
ثامناً : اغتصاب الزوجة :
قال الكاساني : ولو فرض القاضي لها النفقة ، ثم أخذها رجل كارهة، فهرب بها شهراً ، أو غصبها غاصب ، لم يكن لها نفقة في المدة التي منعها؛ لفوات التسليم ، لا لمعنى من جهة الزوج • وقال أبو يوسف: إن لها النفقة ؛ لأن الفوات ما جاء من قبلها (2)•
قال ابن عابدين : والفتوى على الأول ؛ لأن فوات الاحتباس ليس منه؛ ليجعل باقياً تقديراً • أما لو ذهب بها على صورة الغصب ، لكن برضاها فلا خلاف فيها ، إذ لا شك في أنها ناشزة (3)•
ولا يسقط حقها بذلك عند المالكية ؛ لأنها مظلومة ، وأما الهاربة خفية لمكان مجهول فإن نفقتها تسقط (4)•
تاسعاً : المعقود عليها بعقد فاسد :
قال الكاساني : لا نفقة على مسلم في نكاح فاسد ؛ لانعدام سبب الوجود ، وهو حق الحبس الثابت للزوج عليها بسبب النكاح ؛ لأن حق الحبس لا يثبت في النكاح الفاسد ، وكذا النكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقة، وكذلك لا تثبت النفقة في عدة منه إن ثبت حق الحبس ، لأنه لم يثبت بسبب النكاح لانعدامه ، وإنما يثبت لتحصين الماء ؛ ولأن حال العدة ، لا يكون أقوى من حال النكاح ، فلما لم تجب في النكاح الفاسد ، فلأن لا تجب في العدة أولى (1)•
وجاء في الفتاوى الهندية : ولا نفقة في النكاح الفاسد ، ولا في العدة منه ، ولو كان النكاح صحيحاً من حيث الظاهر ففرض القاضي لها النفقة، وأخذت ذلك شهراً ، ثم ظهر فساد النكاح بأن شهد الشهود أنها أخته من الرضاعة ، وفرق القاضي بينهما رجع الزوج على المرأة بما أخذت ، وأما إذا أنفق الزوج عليها مسامحة من غير فرض القاضي لها النفقة لم يرجع عليها بشيء (2)• وجاء كذلك في الفتاوى السابقة : أنهم أجمعوا على أن في النكاح بغير شهود تستحق الزوجة فيه النفقة • قال ابن عابدين : والظاهر أن الصواب لا تستحق ، إذ لا شك أن النكاح بلا شهود فاسد ، والنفقة إنما تستحق بالاحتباس ولا احتباس في الفاسد (3)•
وجاء في المادة (271) من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية: أن المنكوحة نكاحاً فاسداً ، والموطوءة بشبهة لا نفقة لهما إلا المنكوحة بلا شهود ، فإذا فرض الحاكم لإحداهما نفقة قبل ظهور فساد النكاح وفرق بينهما ، فللزوج الرجوع عليها بما أخذته منه بأمر الحاكم ، لا بما أخذته بغير أمره (4)•
قال الشيرازي : وإن سلمت إليه ، ومكن من الاستمتاع بها في نكاح فاسد لم تجب النفقة ؛ لأن التمكين لا يصح مع فساد النكاح ، ولا يستحق ما في مقابلته • وقال : وإن نكح امرأة نكاحاً فاسداً ودخل بها وفرق بينهما لم تجب لها السكنى ؛ لأنها إذا لم تجب مع قيام الفراش واجتماعهما على النكاح ، فلأن لا تجب مع زوال الفراش والافتراق أولى، وأما النفقة فإنها إن كانت حائلاً لم تجب ؛ لأنها إذا لم تجب في العدة عند نكاح صحيح، فلأن لا تجب في العدة عن نكاح فاسد أولى ، وإن كانت حاملاً فعلى القولين •
وقال كذلك : إن تزوج امرأة ودخل بها ، ثم انفسخ النكاح برضاع أو عيب ، وجب لها السكن في العدة ، وأما النفقة ، فإنها إن كانت حائلاً لم تجب ، وإن كانت حاملاً وجبت ؛ لأنها معتدة عن فرقة في حال الحياة، فكان حكمها في النفقة والسكنى كالمطلقة (1)•
قال ابن قدامة : ولا تجب النفقة على الزوج في النكاح الفاسد ؛ لأنه ليس بينهما نكاح صحيح ، فإن طلقها أو فرق بينهما قبل الوطء ، فلا عدة عليها ، وإن كان بعد الوطء ، فعليها العدة ، ولا نفقة لها ولا سكنى ، إن كانت حائلاً ؛ لأنه إذا لم يجب ذلك قبل التفريق ، فبعده أولى (2)•
مما سبق يتبين أن سبب وجوب نفقة الزوجة على زوجها هو العقد الصحيح ، لكن بشرط وجود الاحتباس ، فعقد الزواج ليس هو السبب المباشر في وجود نفقة الزوجة على زوجها كما هو الشأن في المهر ، بل احتباس الزوج لزوجته ، ودخولها في طاعته ، ليتمكن من جني ثمرات زواجه ، واستيفاء حقوق الزوجية ، وعليه فإذا كان العقد فاسداً ، أو باطلاً، فلا نفقة للزوجة على زوجها ؛ لأن شرط وجوب النفقة ، أن يكون عقد النكاح صحيحاً ، وكذلك فإن في العقد الفاسد والباطل ، لم يتحقق سبب وجوب النفقة وهو الاحتباس المشروع المؤدي إلى المقصود من النكاح، وذلك لأن من تزوج امرأة بعقد فاسد ، أو دخل بامرأة بشبهة ، لم يجز له احتباسها ، بل يجب عليهما أن يفترقا من تلقاء أنفسهما ، وإلا فرق بينهما القاضي ، ولكل واحد من المسلمين إذا علم بفساد العقد بين الزوجين ، أن يرفع دعوى حسبة بالتفريق بينهما أمام القضاء (1)•
عاشراً : الإبراء عن النفقة ومضي الزمان :
قال الكاساني : وأما بيان ما يسقطها بعد وجوبها وصيرورتها ديناً في ذمة الزوج فالمسقط لها بعد الوجوب قبل صيرورتها ديناً في الذمة وهو مضي الزمان ، من غير فرض القاضي أو التراضي ، وأما المسقط لها بعد صيرورتها ديناً في الذمة فأمور منها الإبراء عن النفقة الماضية ؛ لأنها لما صارت ديناً في ذمته ، كان الإبراء إسقاطاً لدين واجب فيصح كما في سائر الديون ، ولو أبرأته عما يستقبل من النفقة المفروضة لم يصح الإبراء؛ لأنها تجب شيئاً فشيئاً على حسب حدوث الزمان ، فكان الإبراء منها إسقاط الواجب قبل الوجوب ، وقبل وجود سبب الوجوب أيضاً وهو حق الحبس ؛ لأنه لا يتجدد بتجدد الزمان فلم يصح (2)•
وقال الكاساني كذلك : وتسقط بعد صيرورتها ديناً في الذمة بموت أحد الزوجين ، حتى لو مات الرجل قبل إعطاء النفقة لم يكن للمرأة أن تأخذها من ماله ، ولو ماتت المرأة لم يكن لورثتها أن يأخذوها من ماله؛ لأنها تجري مجرى الصلة ، والصلة تبطل بالموت قبل القبض كالهبة ، فإن كان الزوج أسلفها نفقتها وكسوتها ، ثم مات قبل مضي ذلك الوقت لم ترجع ورثته عليها بشيء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء كان قائماً أو مستهلكاً ، وكذلك لو ماتت هي لم يرجع الزوج في تركتها عندهما• وقال محمد : لها حصة ما مضى من النفقة والكسوة ، ويجب رد الباقي إن كان قائماً ، وإن كان هالكاً لا شيء بالإجماع (1)•
ومعلوم أن النفقة واجبة بلا خلاف بين الفقهاء ، وإنما الخلاف بينهم في وقت اعتبارها ديناً في الذمة ، وفي قوة ذلك الدين ، فالأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد قالوا: إن النفقة تصير ديناً بمجرد وجوبها، وامتناع الزوج عن أدائها ، وإذا صارت تكون ديناً قوياً لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء كسائر الديون ، ولا يسقط بمضي المدة بدون إنفاق ، ولا يسقط المتجمد منها في الماضي بنشوز الزوجة ، ولا بالطلاق ، ولا بالموت (2)•
وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا تصير ديناً بمجرد الامتناع بعد الوجوب، وإنما تصير ديناً إذا حكم بها القاضي ، أو تراضى على تقديرها الزوجان، ولذلك ليس للمرأة في المذهب الحنفي أن تطالب بنفقة عن مدة سابقة على رفع الدعوى إلا عن الشهر الذي حصلت فيه الدعوى • وإذا تم القضاء بها، أو التراضي عليها ، لا يصبح المتجمد فيها ديناً قوياً بحيث لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ، وإنما يكون ديناً ضعيفاً ، يسقط بما يسقط به الدين القوي بالأداء أو الإبراء ، ويسقط أيضاً بنشوز الزوجة ، والطلاق ، والموت على خلاف في بعض ذلك ، ولا تصير ديناً قوياً إلا إذا أذن الزوج لها أو القاضي بالاستدانة واستدانتها بالفعل •
وأساس الاختلاف بين الحنفية والأئمة الثلاثة ، هو الاختلاف في الوضع الفقهي لوجوب النفقة ، فالأئمة الثلاثة يرون أنها عوض الاحتباس، ولا وجه للتبرع فيها ، ولأنه إذا وجد التمكين الموجب للنفقة ولم ينفق حتى مضت مدة ، صارت النفقة ديناً ، ولا تسقط بمضي الزمان ؛ ولأنه مال يجب على سبيل البدل في عقد معاوضة ، فلا يسقط بمضي الزمان كالثمن والأجرة والمهر ، ويصح ضمان ما استقر منها بمضي الزمان كما يصح ضمان سائر الديون (1)•
ويرى الحنفية : أن النفقة جزاء الاحتباس مع أن فيها ناحية صلة ، فهي جزاء فيه نوع من الصلة ، أو هي صلة وجزاء معاً ، فمن حيث إنها احتباس لاستيفاء حقه من الاستمتاع ، وإصلاح أمر المعيشة ، والاستئناس هي عوض ، ومن حيث إنه إقامة لأمر الشارع ، وأمور مشتركة ، كإعفاف كل الآخر ، وتحصينه من المفاسد ، وحفظ النسب ، وتحصيل الولد ليقيم التكاليف الشرعية ، هي صلة ؛ لأن منافع الاحتباس تعود على الزوجين جميعاً ، لا على الزوج وحده ، وعلى اعتبار أنها عوض تثبت إذا قضى بها القاضي ، أو اصطلحا عليها ، وعلى اعتبار أنها صلة تسقط بمضي المدة من غير قضاء (2)•
وقال الزيدية : ولا يسقط عنه ما استحقته من النفقة ونحوها في الزمان الماضي بالمطل لها ، وسواء كان الحاكم قد فرض لها أم لا ، ولا يسقط عنه نفقة المستقبل بالإبراء ؛ لأنه إبراء من الحق قبل ثبوته ، بخلاف الماضي منها فإنه يسقط بالإبراء ؛ لأنها قد استحقته (3)•
ومما سبق يتبين أن الإبراء من النفقة قد يكون إبراء من النفقة الماضية، وقد يكون إبراء من النفقة المستقبلة ، فإذا كان الإبراء من النفقة الماضية، فإن كانت مفروضة بقضاء القاضي أو تراضي الزوجين صح إبراء الزوجة زوجها من هذه النفقة باتفاق الفقهاء ؛ لأنها دين ثابت في ذمة الزوج، والإبراء يكون مما هو ثابت في الذمة • وأما إن كانت غير مفروضة بقضاء أو تراضٍ ، فلا يصح الإبراء منها عند الحنفية ؛ لأنها لم تثبت ديناً في ذمة الزوج ، والإبراء لا يكون إلا مما هو ثابت في الذمة •
وعند الأئمة الثلاثة يصح الإبراء منها ؛ لأنها تصير ديناً في ذمة الزوج من وقت امتناعه عن الإنفاق ، مع وجوبه عليه ، سواء كانت مقررة بالقضاء ، أو التراضي ، أم غير مقررة (1)•
وأما الإبراء عن النفقة المستقبلة فلا يصح اتفاقاً ؛ لأن النفقة لم تجب بعد ؛ ولأن الإبراء لدين وجب الوفاء به ، والنفقة المستقبلة لم تجب بعد، فلا تكون ديناً ، فلا تقبل الإبراء ، ولكن قد أجاز الحنفية الإبراء عن نفقة مستقبلة في حالتين :
الأولى : أن تبرئ الزوجة زوجها من النفقة المستقبلة ، عن مدة واحدة من المدد التي فرضت وقررت فيها النفقة ، وهي المدة التي بدأت بالفعل، ووجب فيها تنجيز النفقة حسبما تقرر بالقضاء أو التراضي ، فإذا فرضت النفقة شهرية ، وبدأ الشهر فإنه يصح الإبراء من نفقة هذا الشهر ، لتحقق وجوبها ، إذ النفقة يجب تنجيزها في أول المدة ، ولا يصح الإبراء من نفقة الأشهر التي بعده ؛ لأنها لم تجب بعد • وكذلك الحكم إذا قدرت النفقة بالسنة أو
أضافة تعليق