مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب
2014/08/27 18:42
د.محمدعمارة
إن الجهاد الإسلامي ليس حرباً دينية مقدسة؛ لأن الإسلام ينكر ويستنكر أي حرب دينية، فالإيمان الإسلامي: تصديق قلبي يبلغ مرتبة اليقين، وهو سر بين المؤمن وخالقه، لا يتأتى إلا بالفهم والعلم والإقناع والاقتناع، ولا يمكن أن يكون عمره لأي لون من ألوان الإكراه، فضلاً عن أن يكون هذا الإكراه عنفاً قتالياً.

ولذلك قرر القرآن الكريم القاعدة المحكمة والحاكمة: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256)، والتي لا تعني فقط «النهي» عن الإكراه في الدين، وإنما تعني أيضاف «نفي» أن يكون هناك دين أو تدين عن طريق الإكراه! إذ الإكراه يثمر نفاقاً وهو خطر من الشرك الصراح والكفر البواح، ولا يمكن أن يثمر إيماناً بحال من الأحوال، ولذلك شاعت في القرآن الكريم الآيات التي تقول للمخالفين (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ {6}‏) (الكافرون)، (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) (الكهف:29) والتي تحدد مهمة الرسالة في الاعتقاد: (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ) (المائدة99)، (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ {45}‏) (ق)، (وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ {107}) (الأنعام).

وإذا كان الخلط بين الجهاد الإسلامي والحرب الدينية المقدسة هو أثر من آثار سوء الفهم للإسلام، أو سوء النية في تصوير الإسلام، فإن هناك خطأ آخر يقع فيه الذين يختزلون الجهاد الإسلامي في القتال، الذي تحدث عنه القرآن الكريم، ومارسه المسلمون في عصر النبوة، على امتداد تاريخ الإسلام.

ذلك أن الجهاد الإسلامي - الذي هو فريضة إسلامية - أعم من القتال - الذي شرعه الإسلام - فكل قتال جهاد، وليس كل جهاد قتالاً؛ إذ القتال هو الجانب العنيف من الجهاد، وليس كل الجهاد!

إن الجهاد في اصطلاح العربية، كما جاء في «لسان العرب» لابن منظور (630 - 711هـ/ 1232 - 1316م) هو: «استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل»، فهو لا يمكن عند «الفعل» فضلاً عن أن يكون هذا «الفعل» فقط هو «الفعل العنيف» - الحرب - دون سواه.

الجهاد في الاصطلاح: «هو بذل الوسع في المدافعة والمغالبة» في كل ميادين المدافعة والمغالبة؛ أي في كل ميادين الحياة، وليس فقط في ميادين القتال، «وأكثر ما ورد الجهاد في القرآن الكريم ورد مراداً به بذل الوسع في نشر الدعوة الإسلامية والدفاع عنها»(1)، وسبيل الدعوة الإسلامية هو الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وليس بالقتال والإكراه والحرب الدينية المقدسة، فميادين الجهاد الإسلامي الأكبر والأعظم والأغلب هي عوالم الأفكار والحوار.

وكذلك جاء تعريف الجهاد بـ«الدعاء إلى الدين الحق» في الكثير من موسوعات المصطلحات في تراث حضارة الإسلام(2).

فبذل الوسع واستفراغ الطاقة والجهد في ميادين العلم والتعلّم والتعليم.. هو جهاد.

وبذل الوسع واستفراغ الطاقة والجهد في عمران الأرض، نهوضاً بأمانة الاستخلاف الإلهي للإنسان.. هو جهاد.

بل إن الرفق بالإنسان والحيوان والنبات والجماد والطبيعة.. هو جهاد.

وكذلك البر والإحسان إلى الوالدين والأقربين وأولي الأرحام.. هو جهاد.

كما أن الخشية لله ومراقبته وتقواه والتبتل إليه - سبحانه وتعالى - هي قمة من قمم الجهاد الذي فرضه الإسلام.

ولهذه الحقيقة - حقيقة عموم الجهاد في كل ميادين الحياة، وليس اختزاله فقط في القتال - قسّم الراغب الأصفهاني (502هـ/ 1108م) «الجهاد إلى ثلاثة أضرب:

1- مجاهدة العدو الظاهر.

2- مجاهدة الشيطان.

3- مجاهدة النفس.

وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) (الحج:78)، (وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ) (التوبة:41)، (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (الأنفال:72) ، وقال [: «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم، وجاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم»(3).

وعندما نزل - بالقرآن الكريم - في الشعر ما نزل: (وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ {224} أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ {225} وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ {226} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ {227}‏) (الشعراء)، ذهب الصحابي الشاعر كعب بن مالك (50هـ/ 670م) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الله تبارك وتعالى أنزل في الشعر ما قد علمت، فكيف ترى فيه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل»؛ أي رمي النبل. (رواه الإمام أحمد).

الكلمة الصادقة

فالكلمة الصادقة جهاد، بل إن الموضع الوحيد الذي وصف فيه «الجهاد» بـ«الكبير» - في القرآن الكريم - كان حديثاً عن الجهاد بالقرآن؛ أي بالفهم والوعي والحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، وليس حديثاً عن القتال بالسنان؛ (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً {52}) (الفرقان).

بل لقد جعلت السُّنة النبوية، وهي البيان النبوي للبلاغ القرآني، من أفعال القلوب، وليس فقط الأيدي والألسنة، ميداناً من ميادين الجهاد الإسلامي، فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان من أمّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل»(رواه مسلم).

كذلك جعلت السُّنة النبوية العلم والتعلّم قريناً ومساوياً للجهاد في سبيل الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيراً أو ليعلّمه كان كالمجاهد في سبيل الله»(رواه البخاري ومسلم)، وفي الحديث كذلك أن «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله»(رواه البخاري ومسلم)، وكذلك بر الوالدين، هو ميدان من ميادين الجهاد الإسلامي، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد، فقال له صلى الله عليه وسلم: «أحيٌّ والداك؟»، قال: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: «ففيهما فجاهد»(رواه البخاري ومسلم).

وكذلك الحال مع حراسة النفس من الشيطان، يعدها الإسلام ميداناً من ميادين الجهاد، وكما يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: «فالمجاهد من جاهد نفسه في الله عز وجل» (رواه الترمذي والإمام أحمد).

حراسة الوطن; ومثل ذلك حراسة الوطن والمرابطة على ثغور دار الإسلام - كل الثغور - هي جهاد يكون أصحابها أول من يدخل الجنة من خلق الله تعالى، فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: «أول من يدخل الجنة من خلق الله: الفقراء والمهاجرون الذين تُسد بهم الثغور، ويُتَّقى بهم المكاره»(رواه الإمام أحمد).

كذلك جعلت السُّنة النبوية الحج إلى بيت الله الحرام - وفيه التجرد من الدنيا وقوّتها، بل وزينتها، والتعايش السلمي حتى مع الهوام وكل أنواع الأحياء والنباتات - جعلت السُّنة النبوية هذا الحج ميداناً من ميادين الجهاد الإسلامي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه طلحة بن عبيدالله رضي الله عنه: «الحج جهاد والعمرة تطوّع»(رواه ابن ماجه).

وعندما استأذنت النساء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج للجهاد القتالي، قال لهن: «جهادكن الحج»(رواه البخاري وابن ماجه والإمام أحمد)، فجعل الحج - بالنسبة للرجال والنساء - ميداناً من ميادين الجهاد الإسلامي في هذه الحياة.

تلك هي حقيقة الجهاد الإسلامي، الذي هو بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة في أي ميدان من ميادين الحياة، على امتداد هذه الميادين واتساعها وتنوعها، وليس فقط هو القتال، فضلاً عن أن يكون الحرب الدينية المقدسة، كما عرفتها ومارستها الكهانة الكنسية الغربية في صراعها الدامي ضد الإسلام وأمته وحضارته، وضد المخالفين لها في الاعتقاد.

فريضة لازمة

ولهذه الحقيقة، كان الجهاد الإسلامي فريضة لازمة على كل مسلم ومسلمة؛ لأنه مستطاع لكل المكلفين، وفق القدرات التي امتلكها ويمتلكها هؤلاء المكلفون، وفي أي ميدان يستطيع المكلف أن يبذل جهده فيه، بسائر ميادين العبادات والمعاملات، بينما كان القتال الذي هو شعبة من شعب الجهاد مشروطاً بشروط، وله ميادين محددة ضبطها القرآن الكريم في الآيات التي تحدثت عن القتال.

ولقد أدرك هذه الحقيقة - حقيقة مغايرة الجهاد الإسلامي للحرب الدينية المقدسة، كما عرفتها الكنيسة الأوروبية والحضارة الغربية - أدرك هذه الحقيقة نفر من علماء الغرب، الذين تحلوا بالموضوعية، والعمق والإخلاص في دراساتهم للإسلام، ومن هؤلاء العلماء كانت المستشرقة الألمانية «د. سيجريد هونكة»، التي كتبت عن هذه الحقيقة من حقائق الجهاد الإسلامي، فقالت:

«إن الجهاد الإسلامي ليس هو ما نطلق عليه - ببساطة - مصطلح الحرب المقدسة، فالجهاد «هو كل سعي مبذول وكل اجتهاد مقبول، وكل تثبيت للإسلام في أنفسنا، حتى يتمكن في هذه الحياة الدنيا من خوض الصراع اليومي المتجدد أبداً ضد القوى الأمارة بالسوء في أنفسنا وفي البيئة المحيطة بنا عالمياً، فالجهاد هو المنبع الذي لا ينقص، والذي ينهل منه المسلم ويستمد الطاقة التي تؤهله لتحمل مسؤوليته، خاضعاً لإرادة الله عن وعي ويقين.. إن الجهاد بمثابة التأهب اليقظ الدائم للأمة الإسلامية، للدفاع بردع كافة القوى المعادية التي تقف في وجه تحقيق ما شرعه الإسلام من نظام اجتماعي إسلامي في ديار الإسلام»(4).

ذروة سنام الإسلام

تلك هي حقيقة الجهاد الذي فرضه الله سبحانه وتعالى وجعله ذروة سنام الإسلام، والذي جاهده المسلمون - ولا يزالون - على امتداد تاريخ الإسلام، والذي يكون جهاداً كبيراً عندما يكون فقهاً ووعياً وحواراً بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولقد أدرك حقيقة الجهاد الإسلامي، الإمام محمد عبده، فكتب يقول - في تفسير قول الله سبحانه وتعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ {142}) (آل عمران) «.. ربما يقول قائل: إن الآية تفيد أن من لم يجاهد ويصبر لا يدخل الجنة، مع أن الجهاد فرض كفاية.. ونقول: نعم، إنه لا يدخل الجنة من لم يجاهد في سبيل الحق، ولكن الجهاد في الكتاب والسُّنة يستعمل بمعناه اللغوي، وهو احتمال المشقة في مكافحة الشدائد، ومنه جهاد النفس، الذي روي عن السلف التعبير عنه بالجهاد الأكبر، ومن أمثلة ذلك مجاهدة الإنسان لشهواته، لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يُتلَى به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق».

جهاد النفس

إن لله في كل نعمة عليك حقاً، وللناس عليك حقاً، وأداء هذه الحقوق يشق على النفس، فلا بد من جهادها ليسهل عليها أداؤها، وربما يفضل بعض جهاد النفس جهاد الأعداء في الحرب، فإن الإنسان إذا أراد أن يبث فكرة صالحة في الناس أو يدعوهم إلى خيرهم، من إقامة سُنة أو مقاومة بدعة أو النهوض بمصلحة، فإنه يجد أمامه من الناس من يقاومه ويؤذيه إيذاء قلما يصبر عليه أحد، وناهيك بالتصدي لإصلاح عقائد العامة وعاداتهم، وما الخاصة في ضلالهم إلا أصعب مراساً من العامة»(5).

فالجهاد أعم من القتال، ولذلك - كما يقول الإمام محمد عبده - فلن يدخل الجنة إلا المجاهدون، بينما القتال ليس شرطاً في النجاة، لأنه ليس فرضاً في كل الحالات، وفي جميع لحظات الحياة!>



الهوامش

(1) مجمع اللغة العربية (معجم ألفاظ القرآن الكريم)، طبعة القاهرة سنة 1390هـ/ بقلم: أ. د. محمد عمارة 1970م.

(2) انظر على سبيل المثال: الجرجاني «التعريفات»، طبعة القاهرة، سنة 1357هـ/ 1938م، والكفوي «الكليات»، تحقيق: د. عدنان دوريش، محمد المصري، طبعة دمشق سنة 1982م.

(3) الراغب الأصفهاني: «المفردات في غريب القرآن»، طبعة القاهرة سنة 1991م.

(4) «الله ليس كذلك»، ص 40، وانظر كتابنا: «الإسلام في عيون غربية»، ص 325، طبعة دار الشروق، القاهرة، سنة 1425هـ/ 2005م.

(5) «الأعمال الكاملة»، ج 5، ص 107، طبعة بيروت، سنة 1972م.
من اعمال الباحث
أضافة تعليق
آخر مقالات