مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب
2014/08/27 18:42
بســــم الله الرحمـــن الرحيــــم
الحمدُ للهِ الذي هدانا لهذا الدينِ وما كنَّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والحمدُ للهِ الذي لا يُؤدى شُكْر نعمةٍ من نِعمه إلا بنعمةٍ منه, تُوجـبُ على مـؤدي ماضي نـعمـه بأدائــها :نعمةً حادثةً يجبُ شكرهُ عليه شكرهُ بها, وأصلي وأسلمُ على سيدِ الخلقِ وحبيبِ الحق نبينا وإمامنا محمَّد بن عبد الله معلّم النّاس الهدى والخير, الذي حملَ أمانةَ البلاغ عن ربِّه فأدى الأمانة، وبلّغ الرســالة, ونصح الأمةَ حتى أتاه اليقين،فما أعظم منته, صلواتُ ربي وسلامهُ عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن الشريعةَ جاءت لتخرجَ الناسَ من داعية الهوى والضلال والإشكال إلى رحاب الفضيلة والخيـر والاطمئنان, ليكونوا - وكما عبّرَ الإمام الشاطبي رحمه الله - عباداً لله اختياراً كما أنهم عبادٌ له اضطرارا, بمعنى: أن تكون الشريعةُ هي الحاكمة لتصرفات الناس الضابطة لتوجهاتهم وأهوائهم, والشريعةُ ولأنها وحيٌ من عند الله اللطيف الخبير فهي تُحقق للناس مصالحهم في الدارين وتدرأ عنهم الشرور والمفاسد.
وواجبُ العلماِء والفقهاءِ الذين ورَّثهمُ اللهُ ميراثَ النُبوةِ هو بيانُ حكمِ الله في نازلةٍ تنزل حتى لا يُخلّى بين الناسِ وأهوائهم , فيبتعدوا عن دينِ الله وهديه بقدر جهلهم به!
ولأن الشريعة من عند الله فما منٍ حكمٍ فيها إلا وهو يحققُ مصلحةً أو يدفعُ مفسدة, لذلك فإن الفقهاءَ - رحمهم الله - وفي كل زمان ومكان - يحرصون بتوفيق الله لهم على بذل الجهد واستفراغ الوسع في الاجتهاد في درك الأحكام الشرعية وإيجاد الحلول الفقهية المؤصلة للنوازل والحوادث .
و«مجمعُ الفقهِ الإسلامي» هذا المجمع المبارك بهيئته وأعضائه المُباركين، يقومُ بواجبٍ عظيمٍ ويحملُ أمانةً عظيمة في البيان والبلاغ، لذلك سعدتُ وشرفتُ بالمشاركةِ في هذه الدورةِ المباركة من خلال الكتابة في موضوع (استلحاق مجهول النسب ونسب المنبوذ؛ دراسة فقهية مقاصدية).
وقد جاء البحثُ في تمهيدٍ وأربعة مباحث:
التمهيد: في مكانة النسب ورعايته في الشريعة.
المبحث الأول: في حكم التبني ومقصد الشريعة من تحريمه.
المبحث الثاني: في الإقرار (الاستلحاق) حكمه وشروطهُ وآثاره.
المبحث الثالث: نسب المنبوذ (ولد الزنا).
المبحث الرابع:رعاية الإسلام للقطاء.













تمهيد في
مكانةِ النسبِ ورعايتِه في الشرع
للنسبِ مكانةٌ عظيمةٌ عند العربِ قبل الإسلام وبعده، وقد جاءت الشريعةُ بحفظه؛ بل رفعت مكانته ودرجة الاهتمام به حتى أوصلته لحد «الضروريات» فقد اعتبرته واحداً من الكليات الخمس التي قامت أحكامها على رعايتها وحفظها.
وعلاقةُ النسبِ في جوهرهاِ علاقةٌ إنسانية, تثبت للإنسان بمجرد كونه إنسانا, فتلتصق بشخصيته وتثبت له بمجرد أن يولد حيا.
ولهذا فُطِرَ الإنسانُ على تعزيز هذه العلاقة والعناية بها،وهو منةٌ ربانيةٌ من أجل المنن, قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا..﴾ [الفرقان : 54] .
يقول الشاه الدهلوي: «اعلم أن النسب أحد الأمور التي جبل على محافظتها البشر, فلن ترى إنسانا في الأقاليم الصالحة لنشء الناس إلا وهو يحب أن يُنسب إلى أبيه وجده, ويكره أن يقدح في نسبته إليهما, اللهم إلا لعارض من دناءة النسب أو غرض من دفع ضر أو جلب نفع ونحو ذلك, ويحب أيضا أن يكون له أولاد ينسبون إليه،ويقومون بعده مقامه، فما اتفق طوائف الناس على هذه الخصلة إلا لمعنى من جبلتهم، ومبنى شرائعِ الله على إبقاء هذه المقاصد التي تجري مجرى الجبلة، وتجري فيها المُنقاشة والمشاحة»(1).
وإثباتُ النسبِ في الإسلامِ تجتمعُ فيه حقوق أربعة: حق لله, وحق للوالدين, وحق للأب, وحق للأم، يقول الإمامُ ابن القيم - رحمه الله -: (إن إثبات النسب فيه حق لله, وحق للولد, وحق للأب, ويترتب عليه من أحكام الوصل بين العباد ما به قوام مصالحهم, فأثبته الشرع بأنواع الطرق التي لا يثبت بمثلها نتاج الحيوان)(1).
فحقُ الله فيه من جهة أنه أمر بدعوة الولد إلى أبيه الحقيقي, فنهى الإسلام عن دعوة الولد لغير أبيه،وشدّدَ الوعيد في ذلك ! ففي الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال : «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام» (2). وأما حقُ الولد : فإنه ثمرةُ أبيه, ونتاجُ زرعه, والله سبحانه جعل الولد خليفة أبيه, وشجنته والقائم مقامه, فكان من حقهِ أن يثبتَ نسبُه من أبيه لا من سواه, كما أن في انتسابه لأبيه حفظاً لحقوقه التي قررها الشارع له, وصيانة له من الضياع وعدم الرعاية .
يقول الآمدي - رحمه الله -: (فلأنَّ حفظ النسب إنما كان مقصودا لأجل حفظ الولد حتى لا يبقى ضائعا لا مُربي له, فلم يكن مطلوبا لعينه وذاته بل لأجل بقاء النفس مرفهة منعمة حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات)(3).
وأما حق الأب: فإنَّ المولود له فكان حق نسب الولد إليه لا إلى غيره, وفيه رعاية لحقوقه التي أوجبها الله على ولده. وفيه حق للأم لأنها تُعير بولد لا أب له.
وبناء على أن النسب الثابت حق للأطراف الأربعة كان حقا «لا يقبل البيع, ولا الهبة, ولا الوصية, ولا تنازل عنه بأي وجه من الوجوه بمقابل أو بدونه»(4). قال عليه الصلاة والسلام: «الولاء لحمة كلحمة النسب, لا يباع, ولا يوهب, ولا يورث »(5).
لهذا كله أسست الشريعةُُ أحكاماً وأقرت حدوداً لرعاية هذا المقصد الضروري،وصيانته من جانبي الوجود والعدم, ومن ذلك :
تحريم الزنا:
فهو من أخطر وأبشع الوسائل المُفضية ِ إلى اختلاط الأنساب وضياعها، فجاء تحريُمه قطعياً لا خـلاف فيه ولا مـراء, بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32).
قال القرطبي - رحمه الله-: «قال العلماء: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (الإسراء: 32). أبلغ من أن يقول ولا تزنوا, فإن معناه لا تدنوا من الزنا»(1).
والزنا في الإسلام من كبائر الذنوب بعد الشرك والقتل, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)﴾ (الفرقان).
وقد أجمع أهل الملل على تحريمه فلم يحل في ملة قط . ولم تكتف الشريعة بتحريمه بل حرمت أيضا مقدماته ومسهلاته والوسائل المؤدية إليه, كالخلوة بالمرأة الأجنبية, والنظر إليها, ومصافحتها, وحرمت سفرَ المرأةِ وحدها دون محرم لها, ومنعت الاختلاطَ والتبرجَ وغير ذلك. وقد وضعت الشريعةُ أيضا في سبيل التحذير من الوقوع فيه أشد الحدود, وأعظمها في إيقاع الألم العذاب بفاعله. فشرعت عقوبة الجلد مائة جلدة على ملأ من الناس إن كان مقترف هذا الإثم غير متزوج. قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (النور: 2), بل وذهب كثيرٌ من الفقهاء إلى إضافة عقوبة التغريب وهي نفي الـمُجرِمُ عاماً كاملا بعد الجلد.
وفي انتشار الزنا وفي جرأة الناس عليه فسادٌ عظيم وهلاكٌ للقيم والأخلاق, واختلال في الأمن والنظام, وواقع الدول والمجتمعات التي يتفشى فيها الزنا أو يكون من المباحات يشهدُ بذلك, (وقد أصدر واحد وخمسون من رؤساء المنظمات الإسلامية العاملة في بريطانيا بياناً يؤكدون فيه أن الفوضى الجنسية ستُغرق البشرية بلاشك في مستنقع الشقاء،فقد أدى إطلاق العنان لهذه الفوضى إلى أن أصبحت نسبة العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج تفوق كل تصور.. ومضى البيان يقول: إنه تقع حالة اغتصاب كل ست دقائق في أمريكا،ولم يتجاوز سن بعض المغتصبين الثالثة عشرة، أما سن المغتصبة فثمانية أعوام, فصارت أكثر من 50% من الأمهات المراهقات يلدن بغير علاقة زوجية...)(1).
ومن تلك الأحكام أيضاً : تحريم القذف:
وهو في الشرع: «الرمي بالزنا»(2).
وقد حرّم الإسلامُ هذا الفعل أو القول؛ لأن فيه تشكيكاً بمسألة النسب, وهو من كبائر الذنوب، والنصوص على هذا المنع متوافرة, ومنها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 4).
ومن ذلك: تشريعُ العِـدة :
وهي في الاصطلاح :اسمٌ لمـدةٍ تتربص فيها المرأةُ عن التزويج بعد وفاة زوجها أو الفرقة له: بالولادة أو الأقـراء أو الأشهر, والحكمةُ من تشريع «العدة» هي التأكد من براءة رحم المرأة وعدم اشتغاله بماء الزوج, صيانةً واحتياطاً للأنساب(3).
ومن ذلك: إبطال عادة التبني الجاهلي:
وسيأتي الحديث عنها وعن حكمها في المبحث التالي بإذن الله.
المبحث الأول
حكم التبني ومقاصد تحريمه
التبني كما ذكر الفقهاء في تعريفه هو: اتخاذ الإنسان ولد غيره ابناً له, أي يقيمه مقام الإبن وغلب في استعمال العرب لفظ (ادعاء) على التبني, وورد في كلامهم مثل : ادعى فلانٌ فلانا(1).
ومنه الدعيّ وهو المُتبنى, وهو لغةُ القرآن، قال الله ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (الأحزاب: 4).
وقد كانت هذه العادة من أوسع العادات والأنظمة انتشاراً في الجاهلية, وكان للهوى حظٌ وافر في هذه العادة, فقد (كان الرجل في الجاهلية إذا أعجبه من الرجل جلده أو ظرفه ضمه إلى نفسه،وجعلَ له نصيب الذكر من أولاده من ميراثه ...)(1).
وربما كانت له أسبابٌ أخرى،منْ مثل: أن يُتخذ - التبني - عاملاً من عــوامل زيادة حجم القبيلة!
وقد استمرت هذه العادة كذلك في عصور متأخرة ولا تزال في بعض المجتمعات, ومن أسبابها: رعاية ولدٍ لقيط, أو مفقود, أو مجهول النسب.
وقد ظل التبني معروفاً وغير مستقبح في أوساط المجتمع المسلم الأول بعد بعثة سيدنا محمد ﷺ, وكان منهج الشريعة في إبطاله منهج التؤدة والتدرج, وإلا فقد تبنى النبي ﷺ صاحبه الجليل زيد بن حارثة -  -؛حتى كان يدعى بينهم ومن غير نكير: زيدَ بن محمد!
حكمُ التبني في الشريـعة:
وردت النصوصُ القطعيةُ من جهةِ الثُبوتِ والدِّلالةِ في القرآنِ بتحريمِ هذه العادة, وفي أكثر من موضع .
قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (الأحزاب4).
والأدعياء جمع دَعيّ وهو : الولدُ يدعى لغير أبيه.
فالآيـةُ صرحت بأن الدعي ليس ابناً حقيقياً ولا صُلبياً، فالشرع لم يجعل مجرد التلفظ والدعوى سببا في ثبوت النسب.
وقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ﴾.
أجمعَ أهلُ التفسير ـ رحمهم الله - أن الآية نزلت في زيد -  - وفي إبطال تبنيه، قال القرطبي - رحمه الله -: (أجمع أهل التفسير على أن هذا نزلَ في زيـــــد بن حارثة،وروى الأئمةُ أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت ﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ﴾..)(1).
ويقول الإمام ابن كثير - رحمه الله -: (هذا أمرٌ ناسخٌ لما كان في ابتداء الإسلام, من جواز إدعاء الأبناء الأجانب وهم الأدعياء..)(2).
ومن السنة كذلك, ورد في الصحيح عن رسول الله ﷺ من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما: (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنةُ عليه حرام)(3)، وشرطُ العلمِ ملحظٌ دقيق، لأن العقوبة المترتبة عظيمة, وقد يلحق الإنسان بغير أبيه عن جهل أو أنه لايعلم بحقيقةِ نسبهِ أصلاً ! قال الإمامُ ابن دقيق العيد - رحمه الله - (وشرطَ الرسولُ ﷺ العلمَ؛ لأن الأنساب قد يتراخى فيها مدد الآباء والأجداد، ويتعذر العلم بحقيقتها, وقد يقع الاختلال في النسب في الباطن من جهة النساء ولا يشعر به، فشرط العلم لذلك)(3).
مقاصدُ تحـريم التبني:
لقد جاء الإسلامُ وبُعِثَ النبيُ ﷺ والناسُ على إرث قديمٍ من إرث آبائهم وأجدادهم, وكانوا على درجةٍ عاليةٍ من الفخرِ والتمسك به, حتى إنه - أعني هذا الإرث - صدّهم أو بعضهم عن قَبولِ الحقِ وهم يعلمون أنه الحق، وكان شعارهُم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 23).
لذلك كان من مقاصد هذا الدين الخاتَم وهذا النبي الخاتِم أن تُعاد صياغة حياة المجتمع على نورٍ من عند الله الذي يعلمُ منْ خلق وهو اللطيف الخبير!
وهذا ما جاء به النبي الكريم ﷺ وأعلنه صريحاً «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»(1) فوجد الإسلامُ عاداتٍ لا تستقيم والحياةَ الكريمة وفيها من الخللِ والآثار الخطيرة الأمر الذي يستوجب إصلاحها أو إبطالها, ومن هذه العادات عادة التبني, فهي عادةٌ تناقض مقصد الشارع من سدِّ أبواب ومنافذ الخلاف والشقاق والفساد كذلك في داخل البيت المسلم، (وقد تضيعُ مقاصد تشريع التوارث بالتنازع بين العنصر الدخيل (الدعيّ) وبين العناصر الحقيقية للأسرة؛ حيث إن نظامَ التبني في الجاهليةِ كان لا يمانعُ في ميراث المتبنى من متبنيه، فجاءت الشريعة الإسلامية بتحريم هذا النظام، ولم تترك الإرث مطية لكل راكب؛ بل حددت أسبابه وضبطت موانعه، قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ (الأنفال: 75)، وأصبحت أسباب الميراث هي الزوجية والقرابة...)(2) وصدق الله ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾
وهنا لابد من وقفة تأمل:
فلا شك أن تبني الولد وعدّه ابناً صلبياً, وما يتبع ذلك من ألفة ومحبةٍ وتعودٍ عليه, بل وتعلق مصالح أخرى به, يجعل مجرد التفكير في التخلي عن نسبه وإسقاطه وإخراجه من دائرة الأسرة أمراً عسيراً جداً لاسيما في مجتمع كان يستسيغ هذا الأمر ويجد فيه أدنى حرج!
لذلك: ولأن اللهَ تعالى هو اللطيفُ الخبير؛ وهو أعلم بطبائع خلقه, وحتى يكون الاستيعاب ومن ثمّ التطبيق والتقيد سهلاً, نزل هذا الأمر الإلهي أول ما نزل في بيت النبوة ومحل الإتباع والقدوة! فأول إنسان يبدأ في التقيد بأمر ربه ويبطل هذا العادة هو سيد الخلق ﷺ كما بيّناه سابقاً, فهان الأمر على عامة الناس لما وجدوا رسولهم وقدوتهم هو أول من يتعرض لهذا الأمر ويسلم ويطيع !


















المبحث الثانــي
الإقـرار وحكمه
الإقرار أو الاستلحاق من المباحث المهمة في باب (النسب) فهو أحدُ الأدلة التي يثبتُ من خلالها النسب .
وهو في اللغة: الاعتراف، والإثبات، وضدهُ الإنكار والجحود(1).
وهو في الفقه :إخبار الإنسانُ بما عليه(2).
والإقـرار وسـيلةٌ شـرعيـة، بل هـو مـن أقـوى الوسائل وأصـرحها لإثبـات الحقوق.
والإقـرار بالنـسب يُقصـدُ به: إخبار الشخص بوجود قرابةٍ بينه وبين شخصٍ آخر .
وهذه القرابة قسمان:
1- قرابةٌ مباشرة : وهي الصلةُ القائمة بين الأصول والفروع في درجةٍ واحدة؛كالبنوة والأبوة.
2- قرابةٌ غير مباشرة: وهي قرابة مادون ذلك من الحواشي كالأخوة والعمومة.
والإقرار بالنسب يُعبِّرُ عنه بعض أهل الفقه بالاستلحاق(3).
شروط الإقرار:
1- أن يكون المُقّرُ له بالنسب مكلفا، بالغا، وعاقلا.
2- أن يكون المقر به مجهول النسب،فلا يُعرف له نسبٌ صحيحٌ ثابت،فإن كان له نسبٌ من أبٍ معروف فالإقرارُ باطل.
3- أن لا يُنازعهُ فيه منازع, لأنه إن نازعه فيه غيره تعارضا, فلم يكن إلحاقه بأحدهما أولى من الآخر
4- أن يمكن صدقه بأن يحتمل أن يُولد مثله لمثله(1).
حكمُ الإقـرار وأثره :
إذا صحّ الإقرارُ بالنسب؛ واجتمعت فيه الشروط المذكورة, فإنه يترتب عليه ثبوت النسب،وآثاره الشرعية من: إرث ونفقة وحرمة, ولا يجوز نقضه أو إسقاطه أو التنازل عنه ؛ لأنه قد ثبت بحجة شرعية صادرة عن المُقر نفسه وليس فيه ضرر ٌ على غيره قصداً, ويكون النسب الثابت بالإقرار كالنسب الثابت بالفراش, ويكون حجة على الجميع سواء المُقر أو الورثة. وشدّدت الشريعة في هذا, فقد جاء في الحديث: (وأيما رجلٍ جحدَ ولده وهو ينظرُ إليه احتجب الله تعالى عنه،وفضحه على رؤوس الأولين والاخرين يوم القيامة)(2), أما مع علم المقر بكذب نفسه وأن الولدَ ليس منه،فإنه يحرم عليه الإقرار حينئذٍ،لكون الولد ليس منه،فيحرم عليه إلحاقه بنسبه، ويجب نفيه، لحديث :(أيما امرأة أدخلت على قومٍ منْ ليس منهم،فليست من الله في شي،ولن يدخلها جنته).
قال الإمام الشيرازي -رحمه الله -:(فلما حرّمَ النبي ﷺ على المرأة أن تدخل على قوم من ليس منهم دلّ على أن الرجلَ مثلها، ولأنه إذا لم ينفهِ جعلَ الأجنبي مناسباً له ومحرماً له ولأولادهِ, ومزاحماً لهم في حقوقهِم, وهذا لا يجوز)(3).
هل يصح نفي الولد الثابت بالإقرار:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن النسبَ الثابت بالإقرار لا يقبل نفيه مطلقاً ولو باللعان, خلافا للثابت بالفراش أو البينة فإنه يصح فيه الملاعنة، لأن النسب فيهما ثبت بحكم الفراش ويحتمل ألا يكون منه فيجوز نفيه والملاعنة فيه, بخلاف الثابت بالإقرار فلا يقبل لأنه أقر بأنه تكوّن وخُلق من مائه! جاء في المغني: (وإذا ثبت التسب بالإقرار ثم أنكر المُقر لم يُقبل إنكاره... إلى أن قال : وفارق - أي النسب - المال لأن النسبَ يحتاط لإثباته )(1)، وهذا القول المقتضي لعدم قبول نفي الإقرار ينسجم ويتفق مع مقصد الشرع في حفظ النسب وتشوفهِ إلى إثباته.
الفــرق بين الإقرار والتبني:
هناك فرقٌ بين الإقرار والتبني،فالإقرار هو اعترافٌ بنسب حقيقي لشخص مجهول النسب،ويدعي المُقر أن هذا المُقر له ولده مخلوقٌ من مائه, فهو يعترف ببنوةٍ حقيقية،أما التبني فهو استلحاق لولدٍ مع تصريحه بأنه يتخذه ولداً دون الإقرار ببنوته الحقيقية له, فهو مجرد اتخاذ فقط .























أبيض












المبحث الثالث
ثبوت النسب من الزنا (نسب المنبوذ)
إن هذه المسألة قد يبدو للناظر لأول وهلة أن الحكم الشرعي في نسب أولاد الزنا هو محل إجماع أو موطن اتفاق بين الفقهاء ؛ ولاشك أن المسألة إذا ثبتَ الإجماعُ فيها بشروطه فإنه لا مجالَ للحديث فيها برأي آخر, فللإجماع هيبته وللاتفاق مكانته!
أضف إلى ذلك لو كان في المسألةِ محل البحث نصٌ قطعي الثبوت والدلالة، فهذا مما يرفع الخلاف ويتعين المصير إليه .
إلا أن مسألتنا هذه مدار البحث لها صورتان ؛ولكل صورةٍ حكمها أو أحكامها المتعلقة بها.
فالصورة الأولى: محل إجماع, والأخرى: فيها نوعُ خلاف .
والمسألةُ برمتها من المسائل العظيمة بالنظر إلى آثارها ولوازمها, وهي كما وصفها الإمام ابن القيم - رحمه الله - (مسألةٌ جليلة) وتحتاج إلى استصحاب قواعد الشرع ومقاصدها العليا واعتبار المآلات حتى يكون الحكم أو تكون الفتوى محققة لمصالح المُكلفين.
المطلب الأول :في حكم الصورة الأولي وحكمها:
وهي: (أن تكون المرأةُ المزني بها فراشاً, بأن تكون زوجةً أو أمةً يطؤها سيدها)
حكمها: هذه الصورة من المسألة محلُ إجماع, فقد حُكي الإجماعُ على أن الزانيةَ إذا كانت فراشاً لـزوجٍ أو سـيد, وجاءت بولدٍ ولم ينفه صاحبُ الفراشِ, فإنه لا يُلحقُ بالـزاني ولو استلحقه, ولا تصح نسبته إليه, ويُنسب لصاحب الفراش .
قال الإمامُ ابنُ عبدِ الـبـر - رحمه الله -: (وأجمعت الأمةُ على ذلك نقلاً عن نبيِها ﷺ, وجعل رسولُ اللهِ كل ولد يولد على فراشٍ لرجلٍ لاحقاً به على كل حال, إلا أن ينفيه بلعان ..)(1).
ومما استدلوا به وهو عمدة هذا القول :حديث عائشة رضي الله عنها الذي في الصحيحين, قالت:«كان عتبة عهد إلى أخيه سعد أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك فلما كـان عام الفتح أخذه سعد فقال ابن أخي عهد إلي فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخـي وابن وليدة أبي ولد على فـراشـه فتسـاوقا إلى النبي ﷺ فقال سعد يا رسول الله ابن أخي قد كان عهد إلي فيه فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فقال النبي ﷺ (هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر). ثم قال لسودة بنت زمعة (احتجبي منه). لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله»(1).
قال ابنُ عبد البر (حديثُ الولد للفراش وللعاهر الحجر, من أصح ما يروى عن النبي ﷺ ؛من أخبار الآحاد العدول)(2).
وجهُ الدلالة من هذا النص النبوي :
هذا الحديث أصلٌ عند الجمهور في قصر النسب على الفراش, فلا ولد لمن لا فراش له, والزاني لا فراش له, يقول الإمام الكاساني في بيان وجه الدلالة: (إن النبي ﷺ أخرجَ الكلام مخرجَ القسمة, فجعلَ الولدَ لصاحب الفراش, والحجر للزاني, فاقتضى أن لا يكون الولد لمن لا فراش له, كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه, إذ القسمةُ تنفي الشركة)(3).
المطلب الثاني: أن تكون المرأة المزني بها ليست فراشاً؛ بمعنى: أنها ليست بزوجة لأحد ولا هي أمةٌ يطؤها سيدُها.
وهذه الصورةُ هي «محلُ النزاع» كما عبّر ابن قدامةَ في قوله المتقدم، وكما هو واضح من خلاف الفقهاء في هذه الحالة .
سبب الخلاف :
عند التأمل في أقوال العلماء في هذه المسألة وأدلتهم واعتراضاتهم وترجيحاتهم وتعليلاتهم, نستطيعُ أن نتلمسَ أسبابَ الخلافِ أو بعضَها, ومنها:
1- أن الأدلة والنصوصَ التي استدل بها الجمهور هي عند أصحاب القول الثاني على نوعين: إما صحيحةٌ غير صريحة؛ أو بمعنى آخر ليست نصاً في المسألة! أو صريحةٌ غير صحيحة أو فيها مقال من حيث الإسناد .
2- تعارض هذه النصوص - في الظاهر - مع بعض النصوص القرآنية العامة والقواعد الكلية والمقاصد الشرعية.
3- اختلافُ النظرةِ في سبب ثبوت النسب، هل يثبت النسب بمجرد الأمر الطبعي وهو تولد هذا الولد من ماء هذا الرجل؟ أم لابد مع ذلك من تحقق السبب الشرعي ؟ فلابد من اجتماع السببين: الشرعي والطبعي!
وإلى مثل هذا أشار الفقيه المالكي ابنُ رشدٍ رحمه الله ؛وإن كان في مسألة :الزنا هل يوجب من التحريم ما يوجب الوطء في نكاح صحيح أو بشبهة؟ مما يُدرأ فيه الحد .
قال: (وسببُ الخلاف: الاشتراك في اسم النكاح؛ أعني: في دلالته على المعنى الشرعي واللغوي, فمن راعى الدلالةَ اللغوية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ﴾ (النساء: 22) قال: يحرّم الزنــا, ومــن راعى الدلالة الشرعية قال: لا يحرِّم الزنا)(1).
مذاهبُ الفقهاءِ في حكمِ نسب ولد الزنا في هذه الصورة :
اختلف الفقهاءُ رحمهم الله في حكم إلحاقِ ولدِ الزنا بالزانـي إذا ادعاه ولم يكن هناك فراشٌ على قـولـيــن :
القولُ الأول: أن النسبَ لا يثبتُ بالزنا, وهذا قولُ جمهور فقهاء المسلمين من المذاهب الأربعة ومذهب الظاهرية(1).
قال الكاساني : (إذا ادعى رجلٌ صبياً في يد امرأةٍ فقال: هو ابني من الزنــا! وقالت المرأةُ :هو من النكاح لا يثبتُ نسبهُ من الرجــل ولا من المرأة ؛لأن الرجلَ أقرَّ أنه ابنه من الزنا, والزنا لا يوجبُ النسب, والمرأةُ تدّعي النكاحَ والنكاحُ لابد له من حجة)(2).
والإمام مالك يقول :(لا يجتمعُ الحد واثبات النسب)(3).
وجاء عند الشافعية:( لا يجوز إستلحاق ولد الزنا مطلقاً سواء أمكن نسبته إليه من حيث السن أو لا، وسواء كان المُستلحق هو الواطئ أو لا )(4).
وفي المغني :( وولد الزنا لا يلحقُ الزانــي في قول الجمهور )(5).
أدلةُ الجمهور :
استدلَ الجمهورُ على عد مِ جوازِ ثـبـوت نسبِ ولـدِ الـزنـا مـن الـزاني إذا ادعاه, بأدلةٍ من النقل والمعقول ومنها :
الدليلُ الأول: وهـو عمدةُ أدلتهم, ما ثبتَ في الصحيحين - واللفظُ للبخاري - قال :«حدثنا يحيى بن قزعة حدَّثنا مالكٌ عن ابنِ شهابٍ عن عروةَ ابنِ الـزبير عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه قالت فلما كان عامُ الفتحِ أخذه سعدُ بنُ أبي وقاصٍ وقال: ابن أخي قد عهد إلي فيه فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه فتساوقا إلى النبي ﷺ فقال سعد يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد إلي فيه . فقال عبد بن زمعة أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه . فقال رسول الله ﷺ (هو لك يا عبد بن زمعة). ثم قال النبي ﷺ (الولد للفراش وللعاهر الحجر). ثم قال لسودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ (احتجبي منه). لما رأى من شبهه بعتبة فما رآها حتى لقي الله»(1).
وهذا الحديث أصلٌ عند الجمهور قي قصر النسب على الفراش, فلا ولد لمن لا فراش له, والزاني لا فراش له, يقول الإمام الكاساني في بيان وجه الدلالة: (إن النبي ﷺ أخرجَ الكلام مخرجَ القسمة, فجعلَ الولدَ لصاحب الفراش, والحجر للزاني, فاقتضى أن لا يكون الولد لمن لا فراش له, كما لا يكون الحجر لمن لا زنا منه, إذ القسمةُ تنفي الشركة)(2).
وفي شرحِ صحيحِ البخاري لابن بطال قال:( وفى قوله : (الولد للفراش), من الفقه إلحاق الولد بصاحب الفراش في الحرة والأمة. وقوله: (وللعاهر الحجر), أي لا شيء للزاني في الولد إذا ادعاه صاحب الفراش, وهذه كلمة تقولها العرب).(3)
مناقشة هذا الاستدلال :
عند التأمل في سياق هذا الحديث الصحيح وعند التأمل في مفرداته وفي أسلوب البيان النبوي فيه, من الممكن الخروج بعدد من القضايا التي قد يصح إيرادها على وجه الاستدلال من الحديث على نفي ثبوت النسب لولد الزنا من الزاني - وهي مما نبّه عليه الفقهاءُ وشُرّاحُ الأحاديث, وبيانُ ذلك:
أولاً: يظهر جلياً من السياقِ أن الحديثَ جاء في سياقِ الفصلِ في نزاعٍ وخصومةٍ بين طرفين, ولم يأت لتقرير حكم تنسيب ولد الزنا من الزاني في صورةٍ مجردةٍ عن النزاع, بمعنى : أن الصورة التي نزل عليها حكمُ رسول الله ﷺ هي في قضية منازعةٍ وخصومة، ومع وجود فراش يُتنازعُ حوله !
وهذا الاتجاه في فَهم الحديث؛ نُـقِلَ عن عددٍ من الأئمة, ومنهم: إسحاق بن راهويه فيما نقله عنه ابن القيم - رحمه الله -, حيث قال: ( فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ من الزنى إذا لم يكن مولوداً على فراش يدعيه صاحبه وادعاه الزاني, أُلحق به, وأول قول النبي ﷺ (الولد للفراش ) على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش...)(1).
وقد أشار الإمامُ ابنُ عبد البر المالكي لمثل هذا في التمهيد حيث ظهر من كلامه حصر دلالة الحديث في وجود الفراش فقط - وجعل هذا هو محل الإجماع(2).
وهو الرأي الذي نصرهُ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية وتلميذُه ابنُ القيم رحمهما الله(3).
ثانياً :مما قيل في مناقشة هذا الدليل, أن الحديثَ ليس فيه دلالة على الحصر في قوله(الولد للفراش وللعاهر الحجر), ولو كان للحصر (لاقتضى التقدير أن يُقال: لا ولد إلا من فراش, ولا حجر إلا على من كان منه الزنا, ويلزم منه: أن كل ولدٍ يكون من فراش أن يثبت له النسب, ولا ينفى عنه إلا إذا كان من زنا،ولكن وجدنا أحوالاً تُخالفُ القاعدة, فقد يكون ثمة فراش قائم ولا يثبت معه النسب،كما لو كان الزوج صبياً, أو أن المرأة أتت بولدٍ لأقل من ستة أشهر, فكيف يُحَكمُ بالحديث على أنه يدل على الحصر؟ كما أنا وجدنا أن الولد قد يُنفى عنه النسب من غير زنا, كما لو نفاه الزوجُ باللعان, فالفراش قائم والزوج ليس بزان, ولا نُثبت مع ذلك نسباً!)(4).
الدليل الثاني :
استدلوا بما رواه أبو داود في «سننه» من حديثِ ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لاَ مُساَعاةَ في الإسلام، من ساعى في الجاهليةِ فقدْ لَحِقَ بِعصَبته،ومن ادَّعى ولداً منْ غيرِ رِشدةٍ, فلا يرثُ ولا يُورثُ»(1).
والحديث أخرجه:سنن أبي دواد, كتاب الطلاق, باب: ادعاء ولد الزنا رقم (2264), ومسند أحمد(3416)، والحاكم في كتاب الفرائض, رقم 7992 وقال: هذا حديثٌ صحيح على شرط الشيخين, وتعقبه الذهبي بقوله: لعله موضوع!فإن ابن الحصين تركوه, وقال المنذري في مختصر سنن أبي داود 3/173في «إسناده رجلٌ مجهول» وكذا قال ابن القيم في الزاد 5/427، انظر: معالم السنن 3/235، نيل الأوطار 6/184.
وجه الدلالة:
أن الشارعَ أبطل المساعاة وهي: الزنا، ولم يُلِحق النسبَ بها،وعفا عما كان في الجاهلية .
واعترض عليه بوجهين :
الوجه الأول: ضعف الحديث, فلا تقوم به حجة
الوجه الثاني: على فرض صحته؛فيكون محمولاً على من وُلِدَ على فراش زوج أو سيد, فهو خارج عن محل النزاع .
ومن المعقول استدلوا بأدلةٍ منها :
الدليل الأول :
قالوا: إن ماء الزنا هدرٌ لا حرمة له فلا يترتب عليه أثر(2).
ويُناقش دليلهم: بإثبات خلاف ما ذكروه, من جهة أن الفقه الإسلامي رتب عدداً من الآثار على هذا الماء ! ومنها: حرمة المصاهرة, وحرمة الرضاع, وثبوت نسب المولود لأمه, وهذا الماء قد نشأ عنه مخلوق وإذا كان من مسلمين فهو مسلم؛ فكيف يُقال:أنه لاحرمةَ له!
الدليل الثاني :
قالوا: إن قطع النسب شرعاً لمعنى الزجر عن الزنا, فإنه إذا علم أن ماءه يضيع بالزنا فإنه سيتحرز.
قال الإمام السرخسي: (ولأن قطعَ النسبِ شرعاً لمعنى الزجر عن الزنى فإنه إذا علم أن ماءه يضيع بالزنى يتحرز عن فعل الزنى وذلك يوجب إثبات الحرمة لأن معنى الزجر عن الزنى به يحصل فإنه إذا علم أنه بسبب الحرام مرة يفوته حلال كثير يمتنع من مباشرة الحرام فلهذا أثبتنا الحرمة وإن لم يثبت النسب هنا)(1).
ويناقش استدلالهم من وجهين :
1- أن المعنى الذي ذُكر غير مسلم, ولا يصلح رادعاً, بل إن المعنى الذي جعله الشارع رادعاً بنص كتابه أولى بالمسير إليه ؛وهو ’’ العقوبة ’’ إما بالرجم أو الجلد.
2- إن نفي الولد عن الزاني قد يكون مدعاة لخلاف ما ظنوه ! بمعنى : أن الزاني عندما يفكر أو يُقدمُ على اقتراف جريمته وهو يعلم أنه ليس هناك تبعات عليه -إذا سلم من العقوبة - وأن ما قد ينتج عن هذا الفعل الشنيع لا علاقة له به شرعاً وغير مسؤول عنه بحكم الشرع! فإنه يستهل هذا الأمر, أما إثبات النسب له فقد يتحقق فيه معنى زائد للردع والزجر؛ حيث إنه سيفكر ملياً بالتبعات والآثار المترتبة من نسبة الولد إليه!
القــول الثــاني وأدلته:
ذهبَ أصحابُ هذا القول إلى أن الولدَ الناتج عن زنا إذا لم يكن مولوداً على فراشٍ يدعيه صاحبه وادعاه الزاني ؛الحق به ونُسِبَ إليه .
وقيل: يثبتُ النسبُ للزاني ؛ولكن بحكمِ حاكمٍ (ويمكن عدُّه قولاً ثالثاً في المسألة).
وهذا المذهب حُكي عن جمع من التابعين وغيرهم ؛فقد نُـقِـل عن عروةَ بن الزبير وسليمان بن يسار وإبراهيم النخعي وابن سيرين, وقال به إسحاق بن راهويه, وهو قولٌ لأبي حنيفة ومال إليه القرطبي, واختاره شيخُ الإسلام ابنُ تيمية وتلميذُه ابنُ القيم رحم الله الجميع(1).
جـاء في المغني عن الحسن البصري وابن سيرين رحمهما الله: ( يلحق الواطئ - أي الولد - إذا أُقيم عليه الحد ويرثه)(2).
ومـال إلى هذا القول عددٌ من العلماء والباحثين المعاصرين ومنهم: الشيخ محمد العثيمين في شرحه لرياض الصالحين, ود.ياسين الخطيب في «ثبوت النسب دراسة مقارنة», ود.أحمد الريسوني في (نظرية التقريب والتغليب)
أما شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمه الله فقد سُئِلَ عن :
(رجلٍ له جارية وله ولد فزنى بالجارية وهى تزني مع غيره فجاءت بولد ونسبته إلى ولده فاستلحقه ورضي السيد فهل يرث إذا مات مستلحقه أم لا؟
فأجاب : إن كان الولد استلحقه في حياته وقال هذا ابني لحقه النسب وكان من أولاده إذا لم يكن له أب يعرف غيره, وكذلك إن علم أن الجارية كانت ملكا للابن فإن ( الولد للفراش وللعاهر الحجر)(3).
وقوى هذا القول ابن القيم ووصفه بأن فيه :( قوةً ووضوحا ...).
أدلـة هذا القـول :
أولاً من النقل :
1- اسـتدلوا بما في الصحيحين؛ واللفظ للبخاري قال - رحمه الله -: (حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله ﷺ (كان رجل من بني إسرائيل يقال له جريج يصلي فجاءته أمه فدعته فأبى أن يُجيبها فقال أجيبها أو أصلي؟ ثم أتته فقالت اللهم لا تمته حتى تريه المومسات وكان جريج في صومعته فقالت امرأة لأفتنن جريجاً فتعرضت له فكلمته فأبى فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقالت هو من جريج فأتوه وكسروا صومعته فأنزلوه وسبوه فتوضأ وصلى ثم أتى الغلام فقال من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي قالوا نبني صومعتك من ذهب قال لا من طين).(1)
وجهُ الدِّلالةِ من الحديث :
هذا الحديثُ وإن كان من شرع من قبلنا, إلا أنه يستقيم في الاستدلال على مذهب من يرى أن شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يعارضه ؛وهو ما قرره الأصوليون(2).
وقد أشار الإمام النووي في شرحه للحديث إلى هذا الاستشكال بقوله: ( قد يقال إن الزاني لا يلحقه الولد وجوابه من وجهين أحدهما لعله كان في شرعهم يلحقه والثاني المراد من ماء من أنت وسماه أبا مجازا)(3)

وقال ابن القيم في الزاد تعليقاً على قول الغلام ( وهذا إنطاقٌ من الله لا يمكن فيه الكذب )(1).
وعلق ابن حجر في الفتح بقوله: ( ووجهُ الدلالة أن جريجاً نسبَ ابن الزنا للزاني وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود بشهادته له بذلك؛ وقوله أبي فلان الراعي؛ فكانت تلك النسبة صحيحة؛ فيلزم أن يجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة, وخرج التوارث والولاء بدليل, فبقي ما عدا ذلك على حكمه...)(2).
وفي شرحهِ للحديث قال الشيخُ محمدُ العثيمين - رحمه الله -:
(واستدلَ بعضُ العلماء من هذا الحديث على أن ولدَ الزنى يلحقُ الزاني لأن جريجاً قال: من أبوك قال أبي فلان الراعي، وقد قصّها النبيُ ﷺ علينا للعبرة فإذا لم ينازع الزاني في الولد واستلحق الولد فإنه يلحقه وإلى هذا ذهب طائفة يسيرة من أهل العلم وأكثر العلماء على أن ولد الزنى لا يلحق الزاني لقول النبي ﷺ (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ولكن الذين قالوا بلحوقه قالوا هذا إذا كان له منازع كصاحب الفراش فإن الولد لصاحب الفراش وأما إذا لم يكن له منازع واستلحقه فإنه يلحقه لأنه ولده قدرا فإن هذا الولد لا شك أنه خلق من ماء الزاني فهو ولده قدرا ولم يكن له أب شرعي ينازعه وعلى هذا فيلحق به قالوا وهذا أولى من ضياع نسب هذا الولد لأنه إذا لم يكن له أب ضاع نسبه وصار يُنسَب إلى أمه)(3) وهذه نظرة مقاصدية من الشيخ - رحمه الله - مبنية على رجحان مصلحة إثبات النسب للولد على مصلحة نفيهِ،وهي مصلحة معتبرة لعدم وجود ما ينقضها من دليلٍ صريح ولانسجامها مع أدلة الشريعة ومقاصدها.
2- استدلوا بما روي عن أمير المؤمنين عمر -  - أنه كان يُليط(1) أولاد الجاهلية بأبائهم من الزنا(2).
قال ابنُ القاسم - رحمه الله -: ( ولقد سمعتُ مالكاً يقول ذلك غير مرة... قيل: أرأيت كل منْ دعا عمرُ لأولادهم القافة في الذي ذكرت عن عمر أنه كان يُليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم إنما كانوا أولاد زنا كلهم؟ قال: لا أدري أكلهم كذلك أم لا؟ إلا أن مالكاً ذكر لي ما أخبرتك أن عمر كان يليط أولاد الجاهلية بالآباء في الزنا، قلت: فلو أن قوماً من أهل الحرب أسلموا أكنت تليط أولادهم بهم من الزنا وتدعو لهم القافة؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، ولكن وجه ما جاء عن عمر بن الخطاب أن لو أسلم أهلُ دار من أهل الحرب كان ينبغي أن يصنع بهم ذلك لأن عمر قد فعله،وهو رأيي)(3).
ثانياً : الاستدل بالقياس :
ووجهه كما قرّرهُ الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله:
(.. والقياسُ الصحيح يقتضيه، فإن الأبَ أحدُ الزانيين، وهو إذا كان يلحق بأمه، وينسب إليها وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بينه وبين أقارب أمه مع كونها زنت به، وقد وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيين، وقد اشتركا فيه، واتفقا على أنه ابنهُما، فما المانِعُ مِن لحوقه بالأب إذا لم يدَّعِهِ غيرُه؟ فهذا محضُ القياس)(4).
وهذا النوع من القياس هو مايُسمّى بالقياس بنفي الفارق أو «القياس في معنى الأصل».
حيث يظهر القائس أنه لا فرق مؤثر بين الأصل والفرع؛ فيجمعُ بينهما في الحكم(5).
وهو - في ظني - قياسٌ صحيح الاعتبار حيث لم يظهر فرق, ولم يعارضهُ نصٌ صريح! فإن النص الذي تمسك به الجمهور لا يعارض هذه الصورة ؛من جهة أن الصورة التي ورد عليها حكمُ النبي ﷺ - وكما سبق بيانه - هي في حالة وجود «الفراش» والقائلون بهذا القول - أعني القول الثاني - لا يخالفون في هذا.
قال ابن مفلح في الفروع: (ومن قال: يلحقُهُ - أي نسب الولد - قال: لم يخالف قوله عليه الصلاة والسلام «الولد للفراش وللعاهر الحجر»)(1).
التـرجيح :
هذه المسألة وكما عبرّ عنها ابن القيم؛ (مسألةٌ جليلة) وهي بهذا القدر من الأهمية لعظم الآثار المترتبة عليها, فهي متعلقة بنفس إنسانية ستخرج لهذا الوجود ؛لم تقترف إثماً ولم ترتكب ذنباً, ومن أعظم وأهم حقوقها أن تجد لها نسباً صريحاً تنسبُ إليه وركناً أميناً تحتمي به، والقولان المشهوران المذكوران في المسألة بينهما بونٌ شاسع وفرقٌ واسع!
لذا فإن اختيار أحد القولين والإفتاء به بالنظر إلى أثاره ؛ليس بالأمر الهين!
والمسألةُ أصلاً مما يسوغ فيها الاختلاف؛ فليست محل إجماع؛ والمخالفون لرأي الجمهور أئمةُ مقتدَون وفقهاء مجتهدون, وقولهم له حظه من الدليل ومن مقاصد الشرع كذلك.
لذا فإني - والله أعلم وبه أستعين - أميل للأخذ بما ذهب إليه أصحاب القول الثاني.
ولكن : بعد رفع الأمر إلى القضاء للنظر والتحقق وصدور حكمٍ بذلك من القضاء أو من الجهات المعنية بأحوال المسلمين وقضاياهم في بلاد الغرب ونحوها.
وذلك لجملةِ أسبابٍ منها:
1- أن الصورةَ الواردة في الحديث الذي هو عمدة مذهب الجمهور ؛ليست هي الصورة التي معنا في هذا الترجيح ؛ فتلك صورةٌ تقتضي وجود (فراش) لهذه المرأةِ المـزني بها؛ ووجود سيد أو زوج يدعي هذا النسبَ وينازعُ فيه .
وصورتنا في: رجل زنى بامرأة لا فراش لها؛ وغلب على الظن بقرائن الأحوال أن هذا الولد ناتج منه وليس من رجل آخر! وطلب هذا الرجل استلحاق الولد به ولم يكن هناك منازعة .
لذلك فإن هذه الصورة محل البحث ليست معارضة بنص في محل النزاع يقتضي خلاف ما ذكره أهل القول الثاني، فتبقى على الأصل وهو: أن هذا الولد نتج طبعاً من هذا الماء.
2- أن هذا القول - أعني الثاني - يحقق مقصداً من المقاصد الضرورية التي جاءت الشريعة بتحقيقها في المكلفين؛ وهو هنا ( مقصد حفظ النفس) وبيانه: أن حفظ النفس مقصد ضروري, وفي تنسيب الولدِ لأبيه حفظٌ له من مفاسد وشرور كثيرةٍ منها: أنه إذا خرج على هذا الحياة وحيداً فاقداً لأب يرتبط به وينتسبُ إليه فإنه لن يجدَ من ينفق عليه ويقوم بحمايته ورعايته؛و بما يكفلُ له - في الغالب -حياةً كريمة آمنة!
بل سيعيش كسيرَ النفس خامل الذكر ؛منبوذاً في مجتمعٍ لم يعد ذلك المجتمع الذي يتراحم الناسُ فيه ويعطفُ بعضُهم على بعض، وفي هذا هلاكه ولا شك! وهو إن لم يكن هلاكاً حسياً فهو هلاكٌ نفسي ومعنوي وهو لعمرُ الله أشد وأنكى!
ومن أثار هذا الوضع المحتملة بل الواقعة غالباً : سهولة إنجراف هذه الفئة المجهولة النسب, المعدومة الهوية؛في حبائل الفساد والرذيلة, فيتولد عن ذلك شرور عظيمة تتعدى هذه الفئة نفسها إلى المجتمع بأكمله!
وبسؤالي لعددٍ من المعنيين والمختصين في «دور رعاية اللقطاء» أو الذين يعرفون هذه الفئة من الناس - وفي مجتمعات ودول مختلفة - ظهر لي : أن هذه الفئة - وبنسبةٍ غالبة - مقارنةً بغيرهم, وأعني بهم: من يعيش في مجتمعٍ ما وهو منسوب لأمه وغير منسوب لأب؛ ويعلم عن حقيقة وضعه ونسبه! أن كثيراً منهم ينشأون وهم ينقمون على مجتمعهم, لذلك يسهل لديهم الوقوع في الجـريمة.
ولأجل ذلك ولغيره حُرم الزنا أصلاً بل وعـدَّ من كـبائـر الذنـوب وقـبـائح الأفـعـال؛ لأنـه يؤدي إلى مثل هذه المفاسد من ضياع الأنساب وهلاك الأولاد!
ومن هذ المنطلق - واللهُ أعلم - ذهب الأصوليون في حديثهِم في مسائلِ الإكراه إلى أن الرجلَ المكرَه على الزنا والعياذ بالله لاُ يباحُ له الفعل بعذرِ الإكراه, لأن إقدامَه عليه بمنزلةِ القتل،لأنه يسوق النسلَ إلى الهلاك ويُعرضهم للضياع, فمثله مثل المكرَه على قتل نفسٍ معصومة! فلا يحلُ له استبقاء نفسه بإتلاف الأخرى, فكان الزنا بمنزلة القتل حكماً!
وهو ما تنبّه له الأصوليون, ومنهم التفتازاني بقوله: (بخلاف زنا الرجل فإنه بمنزلة القتل; لأنه قطع النسب ..)(1).
وفي هذا المعنى الذي سبق يقول الإمام الغزالي - رحمه الله -: (.. فإن نصب القوام على الطفلِ, لحضانته وصيانته،وإنفاق ماله عليه, وشــراء الطعام له، واستئجار من يقوم بمصلحته،واقعٌ في محل الضرورة, لأن الحاجةَ إلى النفقةِ والحضانةِ طبيعةٌ جبليةٌ في حــال الصغر, وفي الإعراض عنها سعيٌ في هلاك الصبيان كلهم, وفيه هلاكُ النفوس وانقطاع الجنس, فهذا يقعُ موقع الضرورة..)(2). فما أعمقهُ من فَهم وما أدقَهُ من تصور! ينطلقُ وينسجم مع قواعد الشريعةِ ومقاصدها .
وخلاصة ما قرروه هنا: أنهم نظروا للمفاسد المترتبة على عدم إلحاق الولد بمن يدعيه ؛فوجدوها راجحة متوقعة بصورةٍ أغلبية, فاجتهدوا في دفع هذه المفسدة عنه،لتتحقق في المقابل مصالح عظمى له في حاله ومآله!
3- في تنسيب ولد الزنا للزاني بأمه إذا طلب استلحاقه, تحقيق لمبدأ عظيم وأصلٍ أصيل من مبادئ الشرعِ وأصـوله وهو «مبدأ العــدل» الذي أمر الله به ونهى عن ضده وهو الظلم
قال الله: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90).
وحرّم الظلم فقال في الحديث القدسي: «يَـا عِـبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّـلْمَ عَلَى نَفْـسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَـظَالَمُوا..».
ومن العدل الذي جاءت به شريعةُ الله أنه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (الإسراء: 15). و﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39).
فهذا الولد الناتج من هذه الممارسة الشنيعة الخاطئة لا ذنب له ولا جريرة, وفي نفي النسب عنه من أبيه إذا استلحقه ظلمٌ له, هذا من جهة ومن جهةٍ أخرى: فإنه من القواعد المُـقررةِ في الشـريعة استواء العقاب بين أهل الجريمة إذا كانت المقارَفة لها على حدٍ سواء, والشريعة كما قال ابنُ القيم: (عــدلٌ كلُها, ورحمةٌ كلها، ومصــالحُ كلها، وحكمةٌ كلها، فكلُّ مسألةٍ خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمةِ إلى ضدها عن المصلحةِ إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث, فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل..).




المبحث الثاني
(رعايةُ الإسلامِ للقطاء)
هذه الشريعةُ الخالدةُ والخاتِمةُ شريعةٌ ربانيةٌ جاءت لترعى مصالحَ العبادِ في كلِّ زمانٍ ومكان, وأعطت «النفسَ البشريةَ» حقها من الحُرمة والتقدير والرعاية، لذلك تقرأُ في كتابِ الله مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (المائدة: 32).
وتقفُ في السنةِ على تقديرِ رسولِ الهدى والرحمةِ صلواتُ ربي وسلامه عليه ونظرته لهذه النفس الإنسانية, بل وما ورّثه لأصحابهِ من بعده من خلق ورحمة بالناس, جاء في صحيح مسلم: أَنَّ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ كَانَا بِالْقَادِسِيَّةِ فَمَرَّتْ بِهِمَا جَنَازَةٌ فَقَامَا فَقِيلَ لَهُمَا إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ. فَقَالاَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ- مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ إِنَّهُ يَهُودِىٌّ. فَقَالَ « أَلَيْسَتْ نَفْسًا».
ولاغرابة في ذلك إذا علمنا أن رسولَ اللهِ عليه الصلاةُ والسلامُ ما أرسله ربهُ تعالى ذكره إلا ليكون رحمةً للعالمين! قال اللهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)
وعندما تتصفحُ كتبَ أهلِ الإسلامِ من أصوليين وفقهاء وغيرهم تجدُ مباحثَ كثيرة ودقيقةٍ تعتني بالإنسان في جميع مراحله العمُرية من جهة بيان حقوقه وواجباته التي ضمنها وكفلها له الشرع, وما مباحث (الأهلية وعوارضها) في كتب علم أصول الفقه إلا مثالاً على هذا كله, ولأن الخلقَ خلقُ الله مهما كانت توجهاتهم أو أديانهم أو ظروفهم ؛فإن الإسلامَ له منهجهُ العدلُ والوسطُ في التعامل مع فئات البشر وإعطاء كلِّ حالةٍ حقها من الأحكام والتوجيهات.
ومن هنا فإن هذه الشريعةَ الخالدةَ الخاتمةَ لم تَغفل عن فئةٍ من خلق الله تعالى شاء الله أن يكون لها ظروفٌ خاصةٌ تستدعي أحكاماً شرعيةً خاصة تحفظُ لهم حقـوقهم وتكفُلُ لهـم بإذن ربهم حياةً كريمةً, وهم اللقطاءُ الذين قدَّر اللهُ عليهم - وهو اللطيفُ الخبيرُ سبحانه - أن يواجهوا هذه الحياةَ وقد فقدوا العائلَ والحاضنَ والوالدين والأسرةَ, ونُبذوا في قارعةِ طريقٍ أو أمام بابِ مسجد ليتركوا للمجهول من الظروف والأيام.
تعريفُ اللقيط :
اللقيط في اللغة(1) : من فعيل بمعنى مفعول والتقطت الشيء جمعته ولقطت العلم من الكتب لقطاً أخذته من هذا الكتاب وقد غلب اللقيط على الولد المنبوذ, واللقاطة بالضم ما التقطت من مال ضائع.
وأما في اصطلاح الفقهاء :
اختلف عبارات الفقهاء في تعريف اللقيط إلا أنها تقترب من معاني معينة ؛ وهي أن اللقيط هو :الطفل الذي لا يُعرف نسبه ولا يعرف رقه طُرح في شارع أو عند باب مسجد أو في المسجد أو نحوه أو ضل الطريق وهو صغير إلى التمييز، وقيل: إلى البلوغ وهو الذي تطمئن إليه النفس؛ لاحتياجه إلى الحفظ والقيام بتربيته وتعهد أحواله.
جاء في المغني: (بأنه الطفل المنبوذ)(2).
وفي أحكام الصغار للأستروشي(اللقيط:اسم للولد الذي يوجد على قارعة الطريق،أو في المفازة أو على باب المسجد ولايُعرف أبوه ولا أمه)(3).
وأسباب هذا النبذ أو الطرح ليست واحدة, وقد تلمس الفقهاءُ بعضها , قال الإمام الماوردي - رحمه الله -: (أَمَّا الْمَنْبُوذُ فَهُوَ الطِّفْلُ يُلْقَى: لِأَنَّ النَّبْذَ فِي كَلَامِهِمُ الْإِلْقَاءُ, وَسُمِّيَ لَقِيطًا لِالْتِقَاطِ وَاجِدِهِ لَهُ, وَقَدْ تَفْعَلُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ بِوَلَدِهَا لِأُمُورٍ : مِنْهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهِ مِنْ فَاحِشَةٍ فَتَخَافُ الْعَارَ فَتُلْقِيهِ, أَوْ تَأْتِي بِهِ مِنْ زَوْجٍ تَضْعُفُ عَنِ الْقِيَامِ بِهِ فَتُلْقِيهِ رَجَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُ مَنْ يَقُومُ بِهِ, أَوْ تَمُوتُ الْأُمُّ فَيَبْقَى ضَائِعًا)(1).
حـكمُ التقاطِه:
الأصل ُ في هذا البابِ كما عبّر الفقهاءُ قولُه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2), واللقيطُ نفسُ محترمة في الشرع الإسلامي تستحق الحفظ والرعاية, وعلى هذا الأساس كان التقاطه أمراً مطلوباً في الإسلام لأنه فيه إنقاذ نفس محترمة من الهلاك أو الضياع فيكون فيه معنى الإحياء لها, والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).
وقد اتفق الفقهاءُ على أن التقاطه يكون فرضاً إن علم أنه يهلك إن لم يأخذه؛ بأن كان في مفازٍة أو بئر أو مسبعه دفعاً للهلاك عنه.
أما إن لم يخف عليه من الهلاك فإن التقاطه يكون مستحباً عند الحنفية وفرضاً كفائياً إذا قام به واحد سقط عن الباقين(2).
وقد وردت جملةٌ من الآثار عن الصحابةِ والتابعين تُبين مدى عنايتهم باللقيط وأن حفظهَ وتربيته من الأعمال الصالحة التي يتقربون بها إلى الله عز وجل، وهذه النظرة تدل على ذلك الشعور الإنساني العظيم الذي كانوا يتمتعون به ونظرتهم للإنسان أياً كان باعتباره نفساً بشرية محترمة لها حقوقها وواجباتها التي كفلتها الشريعةُ لها .
ومن هذه الأثار ما جاء في «الموطأ»: (عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب قال فجئت به إلى عمر بن الخطاب فقال ما حملك على أخذ هذه النسمة فقال وجدتها ضائعة فأخذتها فقال له عريفُهُ يا أميرَ المؤمنين إنه رجل صالح فقال له عمر: أكذلك؟ قال نعم فقال عمر بن الخطاب: اذهب فهو حر ولك ولاؤُهُ وعلينا نفقتُه)(1)
وهناك جملةٌ من الأحكامِ والحقوق التي قررها الفقهاءُ رحمهم الله تدخل ضمن مقصدٍ عظيم وهو : حفظُ النفسِ الذي هو مقصدٌ ضروري من مقاصد هذا الدين العظيمة، ومن هذه الأحكام المهمة:
1- الإشهاد على الالتقاط :
يجب الإشهاد على اللقيط وإن كان اللاقطُ ظاهرَ العدالة, خوفاً من أن يسترقه ولحفظ حريته ونسبه, ويجب الإشهاد أيضاً على ما معه لئلا يتملكه فلو ترك الإشهاد لم تبثت له ولاية الحفظ وجاز نزعه منه, وعلى هذا جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية, والوجهة الصحيحة للحنابلة(2).
2- ديـنُ اللقيط:
من أعظم حقوق هذا الطفل الملقوط؛ مسألةُ دينه ! فالدين أعظم ما يجبُ العناية يه, وقد ناقش الفقهاءُ هذه المسألة باستفاضة وتفصيل رعايةً لهذا الحق والمقصد العظيم .
وخلاصةُ ما ذهبوا إليه :
اختلف الفقهاءُ في الأصلِ الّذي يُحكمُ به على اللّقيط من حيث الإسلام أو الكفر , هل يكون الأصل في ذلك هو الدّار الّتي وجد فيها من حيث كونها دار إسلامٍ أو دار كفرٍ أو أنّ الأصل في ذلك هو حال الواجد من كونه مسلماً أو غير مسلمٍ؟
فذهب الشّافعيّةُ والحنابلةُ إلى أنّ المعتبرَ في ذلك هو الدّار الّتي يوجد فيها اللّقيط فإن كانت الدّار دارَ إسلامٍ حكم بإسلامه تبعاً للدّار الّتي وجد فيها , والدّار الّتي تعتبر دار إسلامٍ عندهم هي :
( أ ) دار يسكنها المسلمون ولو كان فيها أهل ذمّةٍ تغليباً للإسلام ولظاهر الدّار ولأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه .
(ب) دار فتحها المسلمون وقبل ملكها أقروها بيد الكفّار صلحاً .
( ج ) دار فتحها المسلمون وملكوها عنوةً وأقروا أهلها عليها بجزية .
( د ) دار كان المسلمون يسكنونها ثمّ أجلاهم الكفّار عنها .
ففي هذه الأماكن يعتبر اللّقيط الّذي يوجد فيها مسلماً لكن بشرط أن يوجد بها مسلم يمكن أن يكون اللّقيط منه لأنّه يحتمل أن يكون لذلك المسلم تغليباً للإسلام, فإن لم يكن فيها مسلم , بل كان جميع من فيها كفّاراً فهو كافر كما إذا وجد بدار كفّارٍ لم يسكنها مسلم يحتمل إلحاقه به , فإن كانت الدّار دار كفرٍ وكان فيها مسلمون كتجّار وأسرى فأصح الوجهين عند الشّافعيّة ووجه للحنابلة أنّ اللّقيط فيها يعتبر مسلماً تغليباً للإسلام, وفي الوجه الثّاني عند الشّافعيّة والوجه الأخر عند الحنابلةِ يُحكمُ بكفرهِ تغليباً للدّار والأكثر.
وعند الحنفيّة لا يخلو حال اللّقيط من أمورٍ أربعةٍ:
( أ ) أن يجده مسلم في مصرٍ من أمصار المسلمين أو في قريةٍ من قراهم , فإنّه في هذه الحالة يحكم بإسلامه حتّى لو مات يغسّل ويصلّى عليه ويدفن في مقابر المسلمين .
(ب) أن يجده ذمّي في بيعةٍ أو كنيسةٍ أو في قريةٍ ليس فيها مسلم فإنّه يكون ذمّياً تحكيماً للظّاهر .
( ج ) أن يجده مسلم في بيعةٍ أو كنيسةٍ أو في قريةٍ من قرى أهل الذّمّة فإنّه يكون ذمّياً أيضاً .
( د ) أن يجده ذمّي في مصرٍ من أمصار المسلمين أو في قريةٍ من قراهم فإنّه يكون مسلماً .
وقال المالكيّة: إذا وجد اللّقيط في بلاد المسلمين فإنّه يحكم بإسلامه , لأنّه الأصل والغالب وسواء التقطه مسلم أو كافر , وإذا وجد في قريةٍ ليس فيها من المسلمين سوى بيتين أو ثلاثةٍ فإنّه يحكم بإسلامه أيضاً تغليباً للإسلام بشرط أن يكون الّذي التقطه مسلم , فإن التقطه ذمّي فإنّه يحكم بكفره على المشهور , ومقابل المشهور ما قاله أشهب وهو أنّه يحكم بإسلامه مطلقاً أي سواء التقطه مسلم أو كافر .
وإذا وجد في قرى الشّرك فإنّه يحكم بكفره سواء التقطه مسلم أو كافر تغليباً للدّار والحكم للغالب وهو قول ابن القاسم , وأمّا أشهب فيقول: إن التقطه مسلمٌ فهو مسلم تغليباً لحكم الإسلام لأنّه يعلو ولا يعلى عليه
وبناءً عليه: ومن مجمل كلام وتفصيل الفقهاء فإن اللقيط إذا وجد في دار إسلام حكم بإسلامه سواء كان الواجد مسلماً أو غير مسلم, وإذا وُجِدَ في غير ديار المسلمين وكان الواجدُ مسلماً, وفي البلد مسلمون حُكم بإسلامه كذلك لأن الإسلامَ يعلو ولا يعلى عليه.
وفي هذا حفظٌ لحقٍ عظيم من أعظم حقوقه وهو (الدين) وهو مقصدُ الشريعة الأعظم!
نفقةُ اللقيط :
اللقيط غـالباً ليس لـه أهـل يقيمون عليه بالنفقـة فمن رحمـة الإسلام به أنه - إذا لم يوجد معه شيء - أن نفقته ليست واجبة على مُلتقطه, بل إن نفقته تكون مسؤولية بيت مال المسلمين, وفي هذا حفظٌ للقيط من جهتين: حيث لم توجب الشريعة النفقة على المُلتقط - ومن جهة أخرى وفرت له النفقة الكافية لحفظه ورعايته.
قال ابن قدامة - رحمه الله -: (وجملته أن اللقيط إذا لم يوجد معه شيء لم يلزم الملتقط الإنفاق عليه في قول عامة أهل العلم وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط كوجوب نفقة الولد وذلك لأن أسباب وجوب النفقة من القرابة والزوجية والملك والولاء منتفية والالتقاط إنما هو تخليص له من الهلاك وتبرع بحفظه فلا يوجب ذلك النفقة كما لو فعله بغير اللقيط وتجب نفقته في بيت المال لقول عمر -  - في حديث أبي جميلة اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته وفي رواية من بيت المال ولأن بيت المال وارثه وماله مصروف إليه فتكون نفقته عليه كقرابته ومولاه فإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال لكونه لا مال فيه أو كان في مكان لا إمام فيه أو لم يعط شيئا فعلى من علم حاله من المسلمين الإنفاق عليه لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (المائدة: 2), ولأن في ترك الإنفاق عليه هلاكه؛ وحفظه عن ذلك واجب كإنقاذه من الغرق وهذا فرض كفاية إذا قام به قوم سقط عن الباقين فإن تركه الكل أثموا ومن أنفق عليه متبرعا فلا شيء له سواء كان الملتقط أو غيره وإن لم يتبرع بالإنفاق عليه فأنفق عليه الملتقط أو غيره محتسبا بالرجوع عليه إذا أيسر وكان ذلك بأمر الحاكم لزم اللقيط ذلك إذا كانت النفقة قصدا بالمعروف وبهذا قال الثوري و الشافعي وأصحاب الرأي )(1).
لذا إذا كان للقيط من يُنفق عليه وتبرع بذلك من مُلتقطٍ ونحوه فبها ونعمت, وإلا يتعين على الدولة المسلمة رعاية هؤلاء والإنفاق عليهم وتوفير دور رعاية خاصة بهم تُعنى بحفظهم وتربيتهم وتنشئتهم النشأة الإسلامية الصالحة .
حرية اللقيط :
اللقيط يُحكم بحريته في قول عامة أهل العلم بل حكى بعضُهم الإجماع على ذلك, لأن الأصل في بني آدم الحرية, فالله خلقهم أحراراً, والرق أمرٌ طارئ لعارض, فإن لم يُعلم هذا العارض عدنا إلى الأصل, واليقينُ لا يزول بالشك, قال ابن قدامة (وجملةُ ذلك أن اللقيطَ حرٌ, في قول عامَّةِ أهْل العلم، إلا النخعي، قال ابن المنذر: أجمع عوامُ أهل العلمِ على أن اللقيطَ حــرٌ)(1).
إدعاءُ نسبِ اللقيط :
اللقيط مجهولُ النسب(2) ولهذا تصح دعوى النسب إليه فيه, فلو ادعى رجلٌ مسلمٌ أن هذا اللقيط ابنه، وكان يمكن أن يولد منه،وانفرد بدعواه تلك, فإن دعواه تُسمع منه بغير خلاف بين أهل العلم, قال الأستروشي في أحكام الصغار (فإن ادعى مدعي أنه ابنه فالقولُ قوله،يعني إذا لم يدع الملتقط نسبه..)(3).













خاتمة
نخلصُ بعد هذه الجولة في كتب أهل العلم وأقوالهم وأدلتهم في هذه المسائل المهمة, إلى جملةٍ من النتائج بحسب ما يسر اللهُ وأعان وهي :
1- أن مسائل النسب من المسائل الشائكة الدقيقة التي تحتاج إلى جهدٍ علمي مجمعي،وإلى عملٍ مؤسسي قضائي, فمن جهةٍ تحرر هذه المسائل تحريراً علمياً دقيقاً ؛تراعى فيها الأدلة والنصوص الحاكمة لهذا الباب أو ذاك مع استحضار متغيرات العصر من حيث: التقنيات الحديثة و تجدد النوازل واختلاف أسبابها وبواعثها، ومن جهةٍ يكون لهذا النوع من القضايا تقديرهُ اللائق به في أروقة القضاء لحساسيته وآثارهِ المتعدية.
2- أن الإقرارَ (الاستلحاق) بشروطهِ المعتبرة أحد وسائل إثبات النسب.
3- الرأي الذي اخترتُه ورأيتُ - بحسب علمي القاصر - أنه لا يُعارض الأدلة ويوافقُ المقاصد الشرعية ـ وقال به عددٌ من الأئمةِ المتبوعين والفقهاء المدققين ـ هو جوازُ استلحاق ولد الزنا إذا ادعاه الزاني بالشروط التي ذكرتها سابقاً، وبعد رفع الدعوى للقاضي الشرعي أو الجهة المعنية بشؤون المسلمين في بلادٍ لا يوجدُ فيها محاكم إسلامية
4- أن هذا الرأي هو المعمول به ـ بحسب اطلاعي ـ عند عددٍ كبيرٍ من القضاة والمحاكم في المملكة العربية السعودية .
5- وجوب تثقيف ونصح عامة المسلمين بخطورة هذا الجرم العظيم (الزنا) وبيان ما يترتب عليه من أثار وخيمة وعظيمة في الدنيا والأخرة !
6- نشر البيان الشرعي فيما يتعلق بأحكام «اللقيط» ورعاية الإسلام له, وبيان :حقوقه وما ضمنته له الشريعة السمحة.
7- وجوب رعاية الدول والمؤسسات الإسلامية والخيرية لهذه الفئة من اللقطاء؛ وصيانتهم وتوفير الرعاية التربوية والأخلاقية لهم, على ضوء ما جاء في الشريعة.
وفي ختام القول: أنتهي بما بدأتُ به من حمدِ صاحبِ الحمد, الذي له الفضلُ كلُّهُ, أحمده كما ينبغي لكرمِ وجههِ وأستعينهُ استعانةَ من لا حولَ له ولا قوة إلا به, وأستغفرهُ لما أزلفتُ وأخرت . وأرجوه أن يعفو عن كل خطأ وتقصير هو مني ولا بد .



















مـراجـعُ البحث
1- أحكام الصغار لمحمد بن محمود الأستروشي, ط: دار الكتب العلمية
2- إحكام الأحكام لابن دقيق العيد, ط: دار الكتب العلمية
3- أحكام الجراحة الطبية،محمد المختار ط: مكتبة الصحابة بجدة
4- الأحكام في أصول الأحكام لسيف الدين الآمدي ط: دار الفكر
5- أحكام القرآن لابن العربي ط: دار الفكر
6- الأحوال الشخصية لمحمد أبي زهرة, ط: القاهرة دار الفكر
7- أخلاقيات التلقيح الاصطناعي،د.محمد البار, ط: الدار السعودية للنشر بجدة 1
8- أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار، فخر الإسلام البزدوي، ط: الفاروق الحديثة
9- بدائع الصنائع للإمام الكاساني, ط: دار الكتاب العربي
10- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لمحمد بن رشد الحفيد،ت:محمد صبحي،مكتبة ابن تيمية
11- التمهيد لما في الموطأ من أسانيد لابن عبدالبر، ط:وزارة الأوقاف المغربية
12- النسب ومدى تأثير المستجدات العلمية في إثباته، سفيان بورقعة، ط: كنوز إشبيليا ثبوت النسب - دراسة مقارنة - د.ياسين الخطيب ط: دار البيان العربي بجدة.
13- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي, ط: دار الكتب العلمية.
14- حجة الله البالغة، لشاه ولي الدين الدهلوي, ط:مكتبة الكوثر.
15- حواشي الشرواني على تحفة المحتاج, ط: دار الفكر.
16- روضة الطالبين لأبي زكريا النووي, ط: دار الكتب العلمية.
17- زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية، ط: مؤسسة الرسالة
18- شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي، ت: د.عبد الله التركي، ط: الثانية.
19- وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية،د.محمد الزحيلي، ط: مكتبة دار البيان
من اعمال الباحث
أضافة تعليق
آخر مقالات