مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2018/04/09 10:48
كل شعر أخلص لزمانه ومكانه فهو حداثي - الشاعر الدكتور- محمد حسين آل ياسين -في حوار أجرته معه الشاعرة نجاة شمسان

حوار: نجاة شمسان

هو وحي شعري متفرد  و زمن من العطاء الشعري يكتب الشعر متماهيا به حد التّوحد

هو شاعر ممسوس بالشعر والشعر ممسوسا به

أعطى للشعر من روحه وعمره فأعطاه الشعر كل المجد والخلود زمانا ومكانا هو صناجة الأدب العربي و شاعر الزمن الجميل والحداثة  له من المؤلفات مايزيد عن خمسين مؤلف منها أربعة وعشرون ديوان شعري .

إنه الشاعر والأديب العراقي الدكتور محمد حسين آل ياسين من مواليد بغداد عام 1948م

— محمد حسين آل ياسين كإنسان و شاعر من يكون ؟

—كائن أحسّ منذ البيت الأول الذي كتبه وهو ابن العاشرة والنصف من عمره أنه خُلق للشعر وأن مشروعه في الحياة هو الشعر فسار على دربه المليئة بالشوك والاحباط والانتظار والتطلع والنجاح والخيبة إلا أنه لذيذ ممتع مع معاناته .

— أراك ممسوسا بالشعر وهو ممسوسا بك

من خلال اجابتك هذه .

—فعلا إلى الحد الذي يتصور أولادي الذين  أفديهم بروحي أنه عندي أعز منهم وذلك لرؤيتهم أباهم وقد نذر نفسه للشعر.

—الشعر كائن روحي أتراه كذلك ؟

—   هو خفقة الروح ورعشة الوجدان و الشاعر البارع القادر هو الذي يستطيع الاحتفاظ بهذا الخفق والانفعال في قصيدته فإن تمكن من ذلك ضمن لقصيدته الابداع المؤثر والبقاء وإلا فالمتكلف المصنوع يولد ميتاً أو ضعيفا لا يقوى على الحياة وهذا هو سر المهنة كما يقال.

— أراك لست مع  يرون أن الشعر صناعة ؟

— هو صناعة الخفقة الروحية والانفعال الصادق ورعشة الوجدان

أما أن يكون صناعة لفظية خالية من الروح والانفعال ويكتفي بالمباشر التقريري ذي الوقع المتكلف فهو حينئذٍ خارج الشعر القابل للبقاء الطويل .

— لديك هرم  من ثلاث  مستويات قمة ، منتصف ، قاع كيف توزع عليه أنواع الشعر

(العمودي ، النثر ، التفعيلة .)؟

— ثلاثتها يمكن أن تكون في القمة أو المنتصف أو القاع فالمعيار هو الشعر وليس الشكل لأن الشعر واحد لا يتعدد ولا يتشكل وإنما الذي يتعدد هو الوعاء اللغوي والعروضي الذي يُقدم فيه الشعر .

—  هل ترى أن القصيدة العمودية رغم قيودها العروضية استطاعت  استيعاب عصر التكنولوجيا بمتغيراته ومتناقضاته وقضاياه التي تتسع كل يوم أكثر  وما التحديات التي تواجهها القصيدة العمودية ؟

— نعم استطاعت على يد شعرائها الكبار فلم تضق بهم القصيدة ولم تقيدهم بل أبدعوا من خلالها وعبروا عن هموم عصرهم ومشكلاته بأروع ما يكون التعبير والتصوير فكانت ناطقة

عن (هنا) و(الآن)

أما إذا لم تتوفر القدرة الفنية في الشاعر فلا يستطيع أن يرتفع حتى بالنثر إلى مستوى الاجادة اللازمة في الشعر المبدع .

— هل تزمّن القصيدة أم أنها عابرة للزمن ؟

— يجب أن تكون بنت مكانها وزمانها وهو الذي عبرت عنه ب هنا والآن

والشعر العالي الذي أحرز التعبير عن العصر سيكون مطلوبا في كل عصر وهذا هو المتلمس في شعر المتنبي مثلا فالقصيدة لديه عبرت عن مشكلته مع كافور ولكنه أبدع في ذلك إبداعا متفردا فصرنا نطلب القصيدة وإن لم تكن معبرة عن حاضرنا .

— بالعودة إلى الشاعر محمد حسين آل ياسين من خلال رحلتك الشعرية الحافلة بمختلف الأغراض الشعرية أين تجد نفسك في هذه الأغراض ؟

— أجد نفسي أكثر ما أجدها في قصائدي الذاتية شعر البوح والأنين والشكوى والتفجر العاطفي الذي يخلقه الاحساس بالظلم ووقوع الحيف وبمعنى أخر شعر الاحساس بالخيبة والانكسار ففيه يتحقق الصدق الانفعالي بأقوى درجاته .

— في هذه المساحة نريد أن تحدثنا عن مؤلفاتك ؟

— صدر لي حتى الآن من الكتب المطبوعة ما يزيد على خمسين ديوانا وكتابا لغويا وبحثا بين تأليف وتحقيق نشرت في عدد من الدول العربية والأجنبية بدأت عام ستة وستين أي قبل إحدى وخمسين سنة وصدر آخرها أواخر العام الماضي في:العراق وسورية ولبنان والأردن ومصر وتونس وإيران والولايات المتحدة ،

أما كتبي اللغوية وأبحاثي قد أربت على الثلاثين بين تأليف وتحقيق ودراسة  .

—  من هذا الكمْ لمؤلفاتك الشعرية والبحثية ماذا ترشح  لشاعر في بداية تجربته الشعرية وفي أولى خطوات الاحتراف  من هذه المؤلفات  ؟

— دواويني كلها يمكن أن يقرأها هو وغيره فالشعر يُقرأمن الجميع من غير شرط أما كتبي اللغوية فهي متخصصة بفقه اللغة وعلم اللغة ولا تنفع غير المختصين وخصوصاً

الذين في بداية الطريق الطويل ويمكن لمن كانت لديه اهتمامات لغوية أن يفيد من قراءتها لكن أنصح الذين بدأوا درب الشعر ان يكثروا من قراءة الشعر القديم العالي المتنبي، المعري، أبو نواس ، أبو تمام ، الرضي ، البحتري ، ثم الانتقال إلى الكبار من المحدثين والمعاصرين شوقي ،الجواهري بدوي الجبل الاخطل الصغير ، سعيد عقل ،نزار قباني ، البردوني

ويلزم نفسه بإتقان العربية وبحورها العروضية إذ لابد من سلامة الادوات التي تمثل الوعاء اللغوي والموسيقي الذي نقدم به الشعر ولا ينقطع عن القراءة المنوعة لأنها تثري ثقافته التي يتلمسها قارىء شعره مبثوثة في القصيدة ومطلة برأسها في كل بيت .

— ” القصيدة العمودية لا لم يعد فيها بقعة للإضافة”

“زمن القصيدة العمودية ولّى ”

هذه مقولات مجتزأة من حوار صحفي مع شاعرة تكتب النثر الحداثي هي الشاعرة التونسية آمال موسى

أجرته معها إحدى المجلات

هل يمكن أن نخرج بنتيجة من هذه المقولات أن القصيدة العمودية تفقد الكثير من جمهورها بسبب طفو أجناس أدبية أخرى وبقوة على الساحة الأدبية .؟

— أولا هل استطاعت الاشكال الأخرى أن يكون لها جمهور واسع يتلقاها بحب وشغف وانتظار ؟ العمودية ، أو القصيدة العربية كما يحلو لي أن أسميها ماتزال تتسيّد الساحة وتحظى بأكبر جمهور هو أدنى ثقافة من أسلافه ولكنه الأكبر الأهم إلى

الآن ،

وثانيا الأشكال الجديدة لم تستطع أن تتطابق مع التنظيرات النقدية المبشرة بها وذلك لأنها نتاج

أمم أخرى تختلف في الذوق، والمزاج ،والحس والتفاعل والثقافة ونقلت قسرا وبليلة ظلماء وجندت لها كل وسائل النشر ولم تقنع العرب الذين أحبوا قصيدتهم وموسيقاها وقوافيها ورويها ووقعها على آذانهم حتى أنهم كانوا وما زالوا يحفظون وينشدون ويرددون قصائد الشعراء عن ظهر قلب في كل زمان ومكان .

كما أني تلمست أن هناك عودة على صعيد واسع من الشباب إلى كتابة القصيدة العربية وترك

الاجنبية وخصوصا في اقطار المشرق كالعراق وسوريا ولبنان واليمن والجزيرة وحتى مصر فالجيل الجديد هوجيل العمودية وكأنّ الأشكال المستوردة استنفدت طاقتها وجفت فلم تعد تلبي المطلوب والغريب أن كبار شعراء كل قطر عربي عموديون إلى الان وقد زرت أقطار العروبة ورأيت ذلك بنفسي .

— الله هذا مبشر بأن عصر الزمن الجميل سيعود على الأقل من خلال الحرف والقصيد الجميل .

— يبدو ذلك  ،

كنا في الخمسينات و الستينات والسبعينات إذا قيل أن قصيدة للجواهري أو نزار قباني جديدة منشورة في الجريدة الفلانية فلا نلحق على نسخة منها في كل السوق لأن الجميع سبقنا إليها فهل استطاع حتى ادونيس أن يروج نسخة إضافية واحدة لصحيفة نشرت له قصيدة جديدة .

ونحس أننا في مثل هذه التحولات الحداثوية نعيش التحول من الروحي القلبي الوجداني إلى الذهني العقلاني الجاف ، ألا يرى قارىء اليوم أن شعر الحداثة لدى المشاهير مثل ادونيس كلام ذهني عويص خارج الخفق الروحي ونبض الوجدان

غريب غامض لا يفهم في أغلب الأحيان فأين المتعة المتوخاة من الشعر بوصفه فناً والفنون للمتعة أولا و أخيرا .

—  كشاعر عراقي وعربي يعاصر الارهاصات السياسية واتساع رقعة الحروب

هل ترى أن على الشاعر

1 – لبس عباءة السياسة كمؤرخ وناقل للأحداث فقط من خلال نصوصه

،  2 – أم عليه لبس عباءة السياسة كمتأثر ومؤثر له رأيه  كمناضل سياسي عن طريق الكلمة

، 3 – أو  عليه الوقوف بعيدا  على الأقل  بكتاباته بحجة أن السياسة ما إن دخلت في شيء أفسدته ؟.

— لا هذا ولا هذا ولا ذاك الأصل في الشعر لحظة الانفعال الوجداني الصادق الذي يجيء ولا يجتلب ولا تسأل عن موضوع القصيدة مادام الاهتزاز الوجداني بهذا الموضوع حضر بنفسه أما إذا عمدنا إلى اجتلاب الموضوع وفرضناه نحن على القصيدة فهي ميتة أو تافهة ، أو ركيكة في أي موضوع كان وتتحول في السياسة إلى شعارات مسفة تقريرية ، وفي غير السياسة إلى نصائح و وعظ، و إرشاد مباشر لا شعر فيه الجواهري مثلا شاعر برع في الشعر السياسي لانفعاله بالحدث السياسي حد التماهي فيه فتجلى إبداعه .

— الشعر الحداثي هذا المصطلح ماذا يعني لك كشاعر وأكاديمي ؟

— الحداثة بمعناها العميق عندي : هنا والآن فكل شعر أخلص لمكانه وزمانه فهو حداثي أما هذا الذي يسمى حداثي فلا نرى في أغلب نماذجه انتماءه إلى مكانه وزمانه وفي هذه المفارقة يكمن التناقض بين المصطلح وأمثلته التطبيقية من القصائد المنسوبة إلى الحداثة .

— عصر الفضاء الالكتروني برأيك هل عمل على ازدهار الأدب وجعل هذا العصر عصرا ذهبيا للأدب

أم أنه خلق مسخا أدبيا  قائم على الانتحال والتقليد

حيث يجعل المتلقي مهما قرأ من كم شعري

يشعر وكأنه قرأ قصيدة واحدة باختلافات بسيطة .؟

—السؤال فيه على مايبدو جانبان منفصلان

الأول يتعلق بأثر عصر الفضاء الالكتروني على الأدب عموما والشعر خصوصا وأرى أن الأثر إيجابي فقد أفاد الشعر من الفضائيات المرئية المسموعة ومن الانترنت والمواقع الالكترونية في الوصول إلى أصقاع لم يكن بمقدوره الوصول إليها لولا هذه الوسائل الحديثة فقد أصبح القارىء لا ينتظر الكتاب المطبوع الذي لا يصل إلا إلى مساحات محدودة وإنما يقرأ الكتاب كاملا وهو في بيته بي دي أف ويقرأ النقد ويكتبه ويتحاور مع الشاعر ويتابع المهرجان ويرى الشاعر منشدا ويرى ويسمع جمهوره وهو يتلقى شعره وغيرها مما لم يكن متاحا سابقاً فهو من هذه الناحية خير وبركة، أما أن هذه التكنولوجيا قد شغلت الناس عن القراءة وأغرتهم بثقافة الصورة فالأمر بشيء من التأمل ليس جديدا ففي كل عصر ملهياته على الرغم من انتشار التعليم والثقافة أكثر من قبل وازدياد كثافة الناس في العدد ففي المحصلة النهائية نجد عدد القراء أكثر من السابق بسبب كثرة عدد البشر وانتشار القدرة على القراءة والكتابة وكل ذلك

من الايجابيات التكنولوجية الحديثة و أقرب الامثلة هذا الحوار الذي نجريه الآن الذي لولا التكنولوجيا الفضائية لما أمكننا القيام به .

أما الجانب الأخر من السؤال المتمثل بظاهرة انتشار المسوخ الادبية تشابه الكتابات فهي واقع متلمس لا يرتبط بالانترنت ،أو الفضائيات بل يُرى ذلك في الصحف والمجلات والمهرجانات والندوات والمسابقات وسببها ضعف الامكانيات الفنية وتهافت الثقافة وركاكة العدة اللغوية والعروضية واختلال العنصر الأخلاقي فيستمرىء الكثيرون أن يسرقوا وينتحلوا ، وهكذا شاعت الفوضى لأن الشعر أصبح مادة يدّعيها من لا يحسنها ولا يقدر عليها ولكن ذلك إلى زوال ونضوب لأن هذا اللون من الكتابة لا يستطيع الصمود أمام التعرية الزمنية القاسية التي تقبر الفجاجة والركاكة كما فعلت منذ قرون .

— هل من ابنائك من حمل مشعلك ليواصل نشر النور بحرفه وروحه كأنت ؟

— كلا مع الأسف فقد اتجه كل منهم إلى مايحب من التخصص سوى ابنتي الصغرى آخر العنقود فلديها قدرة على الكتابة الشعرية النثرية الجيدة .

— أخيرا شكرا لرحابة صدرك أيها الملاك الشعري فقد أثريت الحوار بثقافتك الادبية كلمة ختامية تود قولها .

— لساني عاجز عن الشكر الذي يليق بكم كمؤسسة وبك خصوصا كمحاورة بارعة

و أبارك للصالون  الأدبي مبادرته الرائدة المتمثلة بمشروع الحوار مع الشعراء و الأدباء وهي مبادرة

أتوقع لها النجاح بل سيحذو حذوها آخرون يتلمسون وقعها الطيب والنافع في الأوساط              الإبداعية والثقافية العربية

فتحية لكم من القلب مقرونة بالشكر على ما غمرتموني به من اللطف والنبل و الأريحية و إلى أخبار جميلة وبشريات رائعة تليق بهذا البرنامج

وما أسعدني وما أشد شوقي إلى اليمن الحبيب الذي زرته مرتين الأولى سنة سبع وثمانين والثانية سنة تسع وثمانين ولقيت من النبل والمحبة ما أنا مطوق به حتى الآن .

أضافة تعليق