مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2014/08/17 20:10
إدريس عليه السلام والتمدن البشرى
د.محمد عمارة
فى سيرة سيدنا إدريس – عليه السلام – الذى جاء ذكره فى القرآن الكريم موصوفًا بالصديق، والذى رفعه الله إليه مكانًا عليًا (واذكر فى الكتاب إدريس إنه كان صديقًا نبيًا. ورفعناه مكانًا عليًا) – مريم:56، 57 - .. فى سيرته التى بقيت لنا منها نتف قليلة حقائق تستدعى الانتباه..
فهو قد بعث فى مصر، وعاصرت بعثته آدم عليه السلام، وكان ثالث الأنبياء فى تاريخ النبوات والرسالات.. وفى ذلك يقول الحافظ ابن كثير (701- 774هـ 1372- 1333م) – فى (البداية والنهاية)-: ’’إنه – عليه السلام – كان أول بنى آدم، أعطى النبوة بعد جده آدم وبعد شيث، عليهما السلام’’.
ويتحدث ابن إسحاق (151هـ - 768م) عن معاصرة إدريس لآدم، عليهما السلام، فيقول: ’’إنه أدرك من حياة آدم ثلاثمائة سنة وثمان سنين’’.
أما الذين أرخوا للحكمة والمدنية والحضارة، فإنهم قد لمسوا بعدًا شديد الأهمية فى رسالة سيدنا إدريس – عليه السلام –، وذلك عندما أشاروا إلى إنجاز رسالته فى ميادين الحكمة والتمدن البشرى، الأمر الذى يجعل هذه الحكمة وهذا التمدن من آثار الوحى الإلهى والتوحيد الدينى.. فالتوحيد الإلهى – الذى بدأت به البشرية – هو الذى فجر طاقات الإنسان وملكاته، فصنع المدنية والحضارة وأبدع الحكمة، عندما تحررت ملكاته – بالتوحيد وأفراد الذات الإلهية بالعبودية، فتحررت ملكاته وطاقاته من الخضوع للطواغيت.. لقد تحرر من عبادة الطبيعة ومن مخافتها، فسخرها فى إقامة المدنية والحضارة منذ فجر التاريخ.. هكذا لمس المؤرخون للحكمة والمدنية – من علماء الإسلام – هذه الأبعاد فى رسالة نبى الله إدريس، فقالوا إن رسالته – فى مصر القديمة – قد شملت علوم المحكمة، والتمرن، والسياسة المدنية، وعلوم الكون، الأرضية منها والسماوية، إلى جانب علوم الشرع والدين.. وعن هذه الأبعاد التى مثلت فجر المدينة، الذى اقترن بفجر التوحيد، قال ’’القفطى’’ (568- 646هـ 1172 – 1248م) – صاحب كتاب (تاريخ الحكماء) – وابن جلجل (بعد 372هـ - 982م) – صاحب كتاب (طبقات الأطباء والحكماء)-:
’’إن إدريس – عليه السلام – أقام – ومن معه – بمصر، يدعو الخلائق إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وطاعة الله – عز وجل -.. ورسم لهم تمدين المدن، وجمع له طالبى العلم بكل مدينة، فعرفهم السياسة المدنية، وقرر لهم قواعدهم، وعلمهم العلوم، وهو أول من استخرج الحكمة، وعلم النجوم، فإن الله – عز وجل – أفهمه أسرار الفلك وتركيبه، ونقط إجماع الكواكب فيه، وأفهمه عدد السنين والحساب’’.
هكذا كان فجر التوحيد هو فجر المدنية والحضارة.. فالله سبحانه وتعالى، هو الذى علم آدم الأسماء كلها.. وهو الذى مد رسالة إدريس إلى كل مناحى التمدن وعلوم الأرض والسماء.. فكانت المدنية أثرًا من آثار التوحيد الذى حرر طاقات الإنسان وملكاته.. الأمر الذى رأيناه.
)المصريون
أضافة تعليق