مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2016/02/28 16:14
فنتازيا!
فنتازيا!
الفاتح عبد الرحمن محمد*
أطفأ "توماس" محرّك سيارته بعد أن قام بإدخالها في مكانها في الـ(Parking) أسفل البناية التي يقطن بها، وشرع في النزول مغادراً إيّاها وهو يمنِّي نفسه بنومةٍ هادئةٍ وطويلةٍ بعد يومٍ شاقٍّ وحافلٍ بالعمل المتواصل، فهو يعمل مراقباً لحركة السفن بمرفأ "سان دييغو" جنوب ولاية كاليفورنيا الأمريكية، ولم ينتبه للأعين النَّهِمة التي كانت ترمقه عن كثب، وذلك لانطفاء معظم المصابيح بالمكان عدا ضوءٍ خافتٍ متقطِّعٍ ينبعث من مصباحٍ وحيدٍ آخر الممر!! وما إن غادر السيارة إلاّ ووجد نفسه محاطاً بثلاثةٍ من (المستذئبين) ضخام الجثث تنبعث من أفواههم روائح كريهة وهم يصدرون أصواتاً غريبة تدلُّ على تعطُّشهم للدماء البشرية التي يبدو أنّهم قد افتقدوها منذ مُدَّة!!! فحاول "توماس" العودة للسيارة مسرعاً، ولكن عاجله أحدهم بضربةٍ قويةٍ في رأسه جعلته يرتطم بالسيارة بشدّة، فبدأت أصوات الإنذار تتعالى منها مختلطةً بهمهماتٍ عنيفةٍ لأفواه المستذئبين وهم يتنافسون للظفر بأكبر قدرٍ من دماء الضحيّة التي يبدو أنّها قد لفظتْ أنفاسها مع الضربة الأولى، بعد أن اختلطت دمائها بزجاج السيارة المحطّم!!!
هذا السيناريو "الافتراضي" لعشرات الأفلام الأمريكية المسماة "فنتازيا" أو أفلام "الرعب" أو أفلام "الخيال العلمي"، أو غيرها من الأنماط السينمائية المختلفة التي أصبحت تجارة رائجة، وصناعة احترافية تُدِرُّ للخزانة الأمريكية مليارات الدولارات سنوياً، فضلاً عن الأهداف الخفيّة، والمرامي بعيدة المدى التي تتوارى خلف أقنعة الرعب والإثارة والتشويق هذه! فالآلة الإعلامية الأمريكية تنفق مليارات الدولارات على صناعة السينما بشتى أنواعها، بل قامت بإنشاء مدينة بأكملها لهذا الغرض (هوليوود 1853ـ2015م)، ذلك لما تمثله هذه السينما للولايات المتحدة من حضورٍ طاغٍ على كافة المستويات، فهي التي تستطيع بها أن تجمِّل صورتها التي طالما تشوَّهت بسبب سياساتها الخارجية المرتجلة، أو تقنع بها على الأقل الرأي العام الأمريكي الداخلي الذي لا يرحم، كما حدث لها في حرب فيتنام في سبعينيات القرن الماضي، التي خرجت منها وهي تجرجر أذيال الهزيمة النكراء، فقامت بإنتاج فيلم (رامبو) للممثل (سلفستر ستالوني)، الذي تصوِّر فيه الجندي الأمريكي أو الكوماندوز بأنَّه قوة ضاربة لا تُقهر، ويستطيع بمفرده أن يلحق الهزيمة بجيش بأكمله!!!
كما تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية بنفس القوة الإعلامية والخدع السينمائية أن تدخل الرعب في قلوب من تريد، وذلك بفبركة مشاهد بها كثير من المبالغات والخيال العلمي والعقلي الذي ليس له وجود على أرض الواقع، فما بين أفلام الرعب والقتل والتنكيل بالأعداء السينمائيين الافتراضيين، يتم حشد آلاف المشاهد المرعبة والمقززة في ذات الوقت، والتي تهدف إلى إرسال إشارات تحذيرية للجميع بمن فيهم الأصدقاء الذين تجمعها بهم المصلحة فقط، بأنَّ مصيرهم حال تفكيرهم مجرَّد تفكير في مناهضة هذه السياسات الأمريكية الخارجية أو العالمية، لن يكون بأفضل من مصير هؤلاء الأعداء السينمائيين!!!
أما في مجال المخابراتية فقد نجحت الولايات المتحدة الأمريكية عبر آلتها السينمائية هذه، في ترسيخ قناعة لدى الجميع بأنَّه لا توجد أقوى من أجهزتها الأمنية في العالم أجمع، فـ(CIA) "على مستوى المخابرات الخارجية" والـ(FBI) "على مستوى الداخل الأمريكي" تستطيعان في أقل من 24 ساعة الوصول لأعتى المجرمين داخل أمريكا، أو في أصقاع أوروبا، أو أدغال إفريقيا، أو مجاهل آسيا، وتقديمهم لأيدي العدالة مكبَّلين لاعنين حظهم العاثر الذي أوقعهم في مواجهتها!!!
ولتأكيد تفوقها في مجال المعلوماتية الالكترونية، تنتج الولايات المتحدة الأمريكية عشرات الأفلام التي تستطيع من خلالها ترسيخ هذا المفهوم، ودونكم سلسلة (The Matrix) أو المصفوفة، التي استطاعت من خلالها أمريكا تأكيد تفوقها في هذا المجال، رغم الخدع السينمائية والخيال العلمي الساذج الذي أنتجت به هذه السلسلة!!!
وفي مجال الجاسوسية تؤكِّد أمريكا على علو كعبها فيه من خلال الأفلام التي تتناول هذا المعنى، فهي تستطيع التغلغل وتفكيك أعتى الامبراطوريات الأمنية في العالم بكل بساطة، وذلك لامتلاكها لطاقم من "الجواسيس" مدرَّب كأعلى ما يكون، وقادر على استخدام كافة أنواع الأسلحة الخفيفة والثقيلة، كما أنّه قادر على التنكُّر والتخفِّي وتغيير المواقع بسرعةٍ مدهشةٍ!!!
ولكن رغم ذلك كله، استطاعت أضعف الجيوش والميليشيات (إن صح التعبير)، كالجيش الفيتنامي (كما ورد آنفاً)، وميليشيا القائد الصومالي المتمرد آنذاك "محمد فرح عيديد"، استطاعوا أن يجعلوا من أمريكا وجنودها الكوماندوز الذين لا يُقهرون، عبرةً لمن لا يعتبر، وذلك عندما قامت ميليشيا عيديد فيما تُسمّى بعملية "سقوط الصقر الأسود" في العام 1993م بقتل نحو 18 جنديّ أمريكي وإصابة أكثر من 70 آخرين، وذلك على خلفية قيام القوات الأمريكية مصحوبة بقوات الأمم المتحدة، بمحاولة القبض على الجنرال المتمرّد "عيديد"، ولم تكتفِ قوات الأخير بقتل الجنود الأمريكان وسحلهم عُراةً على الطرقات فقط، بل قامت باستدعاء الأطفال للتبوُّل على رؤوس هؤلاء الكوماندوز الأقوياء، وما ذلك إلا دليل على أكذوبة هذا الجيش وتلك الدولة المهترئة التي أعلنت انسحابها من الصومال مباشرةً عقب هذه الفضيحة!!!
التجرُّع من ذات الكأس:
كان لا بُدَّ للولايات المتحدة الأمريكية أن تتجرَّع من ذات الكأس التي أذاقتها للشعوب المستضعفة، والدول المغلوبة على أمرها، وهي بإنتاجها و"فبركتها" لهذه الأفلام التي بها كثير من الأكاذيب والمغالطات التاريخية والواقعية على السواء، والتي تقوم بإنتاجها وصناعتها لترويع وإرهاب الآخرين، لا تدري أنّ السحر يوماً مّا سينقلب على الساحر، أو قل إنَّه قد بدأ في الانقلاب الفعلي، فالحادي عشر من سبتمبر، وحادثة أوكلاهوما سيتي، وحوادث القتل داخل المدارس والجامعات ودور السينما، والتي أودتْ بحياة المئات هناك، كلها مناظر لأفلام قادمة ستكون أمريكا مضطرةً لمشاهدتها حتى النهاية بما فيها الفواصل الإعلانية كاملةً، حتى تتجرع المرارات تلو الأخرى، والتي طالما تجرَّعها الأبرياء في العالم.
*كاتب وتربوي وباحث بمجمع الفقه الإسلامي السُّـوداني.
مراجع المقال:
 [1] ويكبيديا الموسوعة الحرة.
[2] مقال للكاتب بعنوان "صناعة الرعب"، منشور على صفحة الكاتب على الفيسبوك Fatihbasheer.
أضافة تعليق