مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب
2014/08/27 18:42
أحمد بابانا العلوي
علاقة الدين بالسياسة
مقارنة بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية
أحمد بابانا العلوي
-1-
كثر الكلام حول علاقة الدين بالسياسة في الفكر العربي المعاصر واستفاض النظر في ذلك، من زوايا مختلفة، قد يكثر الخطأ كلما كثر الكلام في هذا الصدد وتتعدد المواقف المتناقضة بله المتصارعة إيديولوجيا، وسياسيا..
لأن القضايا الفكرية المطروحة للنقاش، إما قضايا فكر الماضي، تجتر اجترارا من طرف قسم كبير من المتعلمين الذي يعيشون مغتربين بعقولهم في الماضي، محكومين، بسلطاته السياسية والإيديولوجية..، وإما قضايا فكر الغرب هي الأخرى اجترارا، بعد أن قطعت من أصولها، وأصبحت لقيطة، تفتقد إلى كل الذي يعطيها معناها.
من هنا فإن الساحة الثقافية العربية، ساحة فكر مغترب يجتر قضايا غير قابلة للهضم، والتمثل... ( )
ولكي نخرج ، من هذا المأزق المعرفي، والتاريخي، يجب أن ينصب اهتمامنا على تجديد القضايا التي يزخر بها تراثنا، سواء تعلق الامر بتجديد الفكر الديني أو اللغة أو قضايا التاريخ والأدب، والفلسفة..
إن الجدل الفكري والسياسي، حول علاقة الدين بالسياسة هو نتيجة للإحتكاك بالحضارة، الغربية المعاصرة..، وقد انبثق عن هذا الاحتكاك ظهور تيارات فكرية، عديدة، بعضها يدعو إلى الاندماج في الحضارة الغربية، مع الاحتفاظ بالهوية الدينية... أمثال الطهطاوي، وخير الدين التونسي..
وهناك تيار آخر يتزعمه جمال الدين الأفغاني (1739-1897) يدعو إلى ضرورة التمسك بقيم الإسلام من أجل النهوض بالأمة الإسلامية..
وقد حمل الشيخ محمد عبدة (1849-1905) مشعل الدعوة السلفية الإصلاحية الجديدة التي تدعو إلى الإصلاح السياسي، والإجتماعي، والديني والثقافي.
وضمن هذا السياق كان لابد أن يثير إلغاء الخلافة (1924) جدلا فكريا وسياسيا حادا حول علاقة الدين بالسياسة..
وقد آثار كتاب الشيخ علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم، الصادر سنة 1925، نقاشا عريضا، وخصبا في الوقت نفسه، حول مسألة الخلافة، وأصول الحكم في الإسلام... ولازال هذا الجدل الفكري، والسياسي، حول هذا الموضوع مستمرا بين مختلف التيارات الفكرية، والنخب الإجتماعية في العالم العربي والإسلامي، كما يثير اهتمام الدوائر البحثية والإعلامية والسياسية في الغرب.
نروم القيام بقراءة متفحصة للعلاقة بين الدين والسياسة ضمن أطر المرجعية الإسلامية وعلى ضوء ما تطرحه المرجعية الحديثة، من أجل الوصول إلى حد أدنى للفهم والتفاهم..
إن سؤال علاقة الإسلام بالسياسة، لم يطرح قط في الفكر الإسلامي منذ ظهور الإسلام حتى منتصف القرن التاسع عشر حيث طرح بمضمون يجد أصوله في النموذج الحضاري الأوروبي ويرى الأستاذ الجابري بأن مشكلة العلاقة بين الدين والدولة، كما نقلت إلى الفضاء العربي، في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، لم يتم تبيئتهاتبيئة ملائمة، في الواقع العربي الفكري والحضاري، كي تصبح معبرة بالفعل عن همومه، وتطلعاته، وليس هموم الواقع الذي نقلت منه... ( ).
لأن المفهوم يعبر عن خلاصة الأفكار والفلسفات المعرفية... فالمفاهيم مستودعات كبرى للمعاني والدلالات أي أنها وعاء معرفي جامع ..
إن استعارة المفاهيم، من غير مراعاة الخصوصية المعرفية والملـلية والشرعية والمنهاجية، قد يدخل المفاهيم دائرة الغموض والارتباك، فتعدد الكلمات التي تستعمل التعبير عن مضامين، ومعان، واحدة، في ظاهر الأمر وماهي بواحدة، في الحقيقة والواقع، وقد يعبر عن معان متعددة، ومختلطة، بألفاظ واحدة، فيقع الإجمال والإبهام وتتأثر بذلك سائر العمليات المعرفية، ونظم الخطاب، خاصة تلك التي تكون الوسيلة الأساسية فيها الحوار بحيث ينقطع التواصل بين المتحاورين، ويفقد الحوار مبرراته.
وإذا تعطلت العقول يصبح عالم الأفكار فارغا من المعنى، فاقدا المضمون، وتفقد الفكرة قيمتها وأهميتها فتضطر الأمة إلى التركيز على العالم الحسي عالم الأشخاص والأشياء، مما يدل على هبوط مستواها العقلي والنفسي... ( )
إن أزمة العالم الإسلامي تكمن في أن مفاهيم الغرب الأوروبي بأنواعها المختلفة تسيطر على عقول المسلمين طاردة بقايا المفاهيم الإسلامية...
وإن المشكلة الكبرى التي مازالت مطروحة على الفكر الإسلامي تتعلق بتجديد الفكر السياسي وهذا لن يتأتى إلا بالرجوع إلى القيم المرجعية، وتأسيس الدولة على مبادئها ومقاصدها الشرعية...
تأسيسا على أنه من المسائل الكبرى التي لا تقوم بدونها دولة أو سياسة مشكلة الشرعية التي تستند إليها السلطة والقيم التي يمكن أن يمارس باسمها الحكم في إطار الولاء الرمزي، والسياسي... ( )
وغنى عن البيان أن الأمة لا يمكن تحفيزها بما يخالف أو يناقض مفاهيمها الأساسية..
ولاشك، بأن انهيار الخلافة العثمانية، كشف عن فراغ فكري ، وغياب وعي اجتماعي وسياسي بشؤون السياسة العالمية...، وجهل بتراث الإسلام السياسي، الذي ظل مطمورا..، ومن هنا أهمية الرجة التي أحدثها كتاب علي عبد الرازق رغم ما ورد فيه من أخطاء منهجية والمغالطات التاريخية الواضحة، فقد أدى إلى حركة فكرية واسعة كشفت عن ثراء تراث الإسلام السياسي..
إن التساؤل حول ماذا إذا كان الإسلام دين ودولة؟
تساؤل وافد من الثقافة الغربية التي تجعل مفهوم الدين محددا في العبادات والطقوس...، وتفرق بين ماهو ديني وماهو سياسي (أي دنيوي أو حياتي).
حيث أن معنى كلمة دين في الإسلام تعني منهج حياة متكامل، لم يفصل بين الديني والدنيوي والروحي والزمني، والسياسي والشرعي..
الدين حاضر في الحياة السياسية كمبادئ موجهة وروح دافعة، وقوة جامعة، ولكن الممارسة السياسية مستقلة عن أي سلطة، باسم الدين أو سلطة دينية..( ).
والواقع أنه قد تبلورت رؤية مستندة على قيم الغرب، ومفاهيمه السياسية...، ونتيجة لذلك ظهر خلاف حول مفهوم السياسة المدنية، ومجموع القيم الكبرى الموجهة للدولة والمجتمع، وهو ما تعبر عنه قضية الشرعية العامة كتجسيد لمرجعية رمزية، وقانونية، وكذلك ما يتعلق بمفهوم الدولة، وما يرتبط به من تحديد لقواعد الممارسة السياسية، وبنية وقواعد ممارسة الحكم... ( ).
ضمن هذا الإطار تمت إثارة قضايا فكرية وسياسية تتمحور في مجملها حول الأسس والمرتكزات، والقيم والمرجعيات المؤصلة لقيام أو بناء دولة حديثة، في المجتمعات العربية والإسلامية تعكس الهوية الحضارية والقومية والدينية للمجتمع أي قيم الوجود السياسي ومما لا مراء فيه أن ارتباط الأمم العميق بتراثها الحضاري والثقافي والديني، يضاعف من إمكانياتها على التقدم والرقي والنماء...
وعندما تحيد عن هذا المنحى تسقط سقوطا عميقا في أتون الانقسامية والتصدع السياسي والعمى الإيديولوجي والخواء الثقافي، وغياب الرؤية المستقبلية والاستراتيجية، لدى النخب الاجتماعية.

-2-
إن القراءة الموضوعية لعلاقة الدين بالسياسة، يجب أن تنطلق من تحديد المفاهيم، والمصطلحات، التي قعدت للمعاني، والتي على أساسها تبلورت التصورات، النظرية والعملية، وبعد ذلك نحتاج إلى عقد مقارنة بين مضمون الثقافة السياسية الغربية، وبين أصول الحكم أوأصول النظام الاجتماعي في الإسلام، بغرض فهم بنية العلاقة بين الدين والسياسة...
إن النظام اللغوي ماهو إلا تعبير عن إدراك جماعة بشرية لبيئتها، وشخصياتها الذاتية...، ومنثم لا يستطيع فهم حضارة ما، حق الفهم، من يجهل وسيلتها اللغوية في التعبير...، إن التعامل مع المفهوم يتطلب الإلمام بعلم الدلالة وما يشتمل عليه من تحليل لفكرة المعنى، وعلاقة اللغة بالفكر سواء كان المصطلح مفردا أو مركبا... ( )
والملاحظ أن المصطلح الواحد، قد تختلف معانيه داخل العلم الواحد، لاختلاف المدارس الفكرية، والأطر المرجعية للمفكرين والعلماء داخل هذا العلم، وذاك..، كما يلاحظ أن المصطلح يخضع للتطور، مما يحتاج إلى البحث عن تطوره الدلالي ومن الأمثلة على ذلك «مصطلح العلم» الذي له عند الأصوليين تعاريف وحقائق كثيرة..،فقد عرفوه (أي العلم) بأنه مطلق الإدراك كما عرفوه بأنه الإدراك الجازم، الثابت المطابق للواقع، عن دليل في كل أمر.. ( ).
فالعلم إذن عند المسلمين يطلق على الإدراك الجازم، الثابت.. فيشمل علوم العقل، والنقل والحس..،ومن ثم فإن هناك أصول للمعرفة العقلية، وأصول للقيم الأخلاقية، وأصول للقيم الجمالية..
إن المفاهيم تعبر عن نموذج معرفي ومنهجية معرفية، المنبثقة عن بناء معرفي وعمران حضاري للأمة..، فإذا تراجعت المفاهيم السائدة ولم تعد تكون أداة معرفية، وبيان وإيضاح وجلاء للغموض، فإنها تتحول إلى أداة تضليل وتشرذم، وذلك نتيجة للتشابك والتداخل الذي حدث في الساحة الثقافية العربية والإسلامية بين الوافد والدخيل، والموروث والمترسب.
مما أدى إلى تذبذب أداة التعبير من وسيلة التعبير عن الذات والهوية إلى وسيلة للانفكاك من الهوية دون الحصول على بديل..
لقد انخدعت النخب ببريق الألفاظ، غافلة بأن المفاهيم إنما هي تعبير عن مضامين ثقافية ودينية لا يمكن استرادها أو التقليد أو البناء والتركيب عليها.
ونتيجة للتذبذب في الانتماء، فإن الأمة تحتاج إلى العقل المبدع المجتهد الذي يساعد على تنامي وعيها، وإطلاق طاقتها، وعلاج أوجه القصور المختلفة في فكرها، وإزالة العوائق أمامها لتتحرك من أجل تحقيق أهدافها القائمة على النموذج والمنهجية المعرفية، المنسجمة مع ثقافتها، وفلسفة وجودها وبنيانها العقلية والنفسية والاعتقادية ومنطلقاتها الفكرية... ( )
إن الاستعمار الغربي شكل العقول والنفسيات ورسخ مفاهيمه في بلاد المسلمين.. ونتيجة لذلك أصبح المسلمون بما تسرب إلى بواطنهم يجهلون أنفسهم، ولا يعرفون، من حقيقة أمرهم شيئا، لا يفهمون ولا يقررون إلا بمقاييس الاستعمار( ).

-3-
الإسلام دين شامل (شرعة ومنهاج) وفلسفة حياة، فالشرعة والمنهاج بيان وإظهار وأحكام ضابطة وطريق قويم والشرعة الطريق والمذهب، وفي التنزيل (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) ( ) والشريعة ما شرعه الله من الأحكام، والعقائد في التنزيل..
ومن ثم فإن المشروع، ما سوغه الشرع ومن هنا فإن مفهوم الشرعية الإسلامية تعكس تميزا في الفهم، وخصوصية في الدلالة فالشرعية في رؤية الإسلامية شرعية دينية تشمل الجانب السياسي والقانوني، فالأمر في رؤية الإسلامية متوقف على أن مفهوم الشرعية الدينية الأصلية، ولا يمكن فهمه إلا من خلالها... ( )
في حين أن الدراسات الغربية، والتصور الغربي يبرر الوجود السياسي من منطلق الوعي الجماعي، فالشرعية في التراث الأوروبي مرتبطة بالنص القانوني وفق قاعدة تبرر الحق أو الادعاء، أي أن مرجعيتها أو سندها هو القانون القائم والنصوص النافذة الصادرة عن المشرع والمعبرة عن سلطة العدالة الزمنية.. والشرعية السياسية هي امتداد لهذا التصور ولهذا المفهوم( ).
يتضح من هذا أن هناك تمييزا في التصور الغربي بين ماهو سياسي وماهو قانوني، بينما الرؤية الإسلامية لم تعرف الفصل بين الشرعية السياسية والشرعية القانونية، لأن محور الشرعية هو الدين، فهي واحدة وشاملة: (أخلاقية اجتماعية، وأيضا قانونية وسياسية).
ضمن هذا الإطار يجب النظر إلى مفهوم السياسة الشرعية، تأسيسا على أن مفهوم الشرعية يشير إلى أن مصدر الأحكام هي قول الشارع أو فعله أو تقريره، وبالتالي فإن مفهوم السياسة الشرعية، يبرز خصوصية الألفاظ الدالة على مفهوم السياسة في الإسلام... باعتبارها من المفاهيم الأساسية للتعبير عن السياسة، ومحك شرعيتها، وفق الرؤية الإسلامية المتجددة للتأصيل السياسي.. ( ).

-4-
علينا أننبحث في مفهوم الدين ومعانيه، لكي نتمكن من إدراك تجلياته السياسية أو مؤثراته في تشكل النظم الاجتماعية، وذلك من منطلق أن الدين هو الأصل المعنوي الذي يقوم عليه الروح الإنساني الصميم، وليس مجرد الأشكال والمظاهر الخارجية التي لا تقف عند حد، وتختلف باختلاف الأمم ومكانتها، من التطورات المادية والأدبية... ( )
لقد أبرز علم المعرفة الديني (congnitive science of Religion) وكذلك الدراسات الحديثة في العلوم الإنسانية، دور الدين، وآثره في سلوك الإنسان وتوجهاته..، مما يبين عن تحيز وتهافت النظرية الدهرية (Secularisme) واللائكية (Laicité) التي تدعو إلى الفصل بين الدين، وكل ما عداه من المكونات والأبعاد التي تشكل الحياة الاجتماعية..
فالدين هو شعور بالارتباط بين الإنسان، وروح الكون، ويرى أفلاطون بهذا الصدد في (كتاب القوانين)، بأن الروح أول موجود وهي المبدأ الأصيل وهي سبب الكائنات، بلا استثناء وسبب كل حركة وتغيير فيما كان وماهو كائن، وما سيكون، وإنها هي التي تدبر السماء والأرض، وإليها مرد كل تركيب، وتحليل... إنها منشأ كل شيء..
وإن كل ما في الكون من نظام وتدبير على أدق حساب، يدل على أنها الروح المثل الأعلى في الكمال...( )
نستنتج من كلام أفلاطون وبالرجوع إلى المعاجم بأن الدين بمعنى دانه دينا أي أنه ملكه وحكمه، وساسه، ودبره، وقهره، وحاسبه، وقضى في شأنه، وجازاه، وكافأه... فالدين في هذا الاستعمال يدور على معنى الملك، والتصرف، بما هو من شأن الملوك من السياسة والتدبير والحكم والمحاسبة، والمجازاة..
ومن ذلك (مالك يوم الدين) أي يوم الحساب والجزاء، وفي الحديث الكيس من دان نفسه أي حكمها، وضبطها، والديان الحكم والقاضي..،وإذا قلنا دان له أردنا أنه أطاعه وخضع له، فالدين هنا هو الخضوع والطاعة والعبادة..
أما إذا قلنا دان بالشيء كان معناه أنه اتخذه دينا ومذهبا أي اعتقده وأعتاده، وتخلق به، فالدين هو المذهب والطريقة التي يسير عليها المرء نظريا وعمليا...
فالمذهب العملي عادة المرء وسيرته، كما يقال هذا ديني وديدني، والمذهب النظري عنده عقيدته ورأيه، الذي يعتنقه...( )
فالتعبير الرمزي، والعقيدة الدينية لازمتان من لوازم الشعور الديني... ومن ثم فإن التعبير الرمزي والعقيدة الإيمانية لازمتان من لوازم تكوين الإنسان من مدركات حسية ومدركات نفسية، على اختلاف الأساليب ومعارض الإدراك... ( )
فالتاريخ يقرر أنه لم يكن قط، من عوامل الحركات الإنسانية آثر أقوى وأعظم من عامل الدين، وكل ماعداه من العوامل المؤثرة في حركات الأمم، فإنما تتفاوت فيه القوة، بمقدار ما بينه وبين العقيدة الدينية من المشابهة، في التمكن من آصالة الشعور وبواطن السريرة..
وهذه القوة لا تضار على قوة العصبية، ولا قوة الوطنية ولا قوة العرف ولا قوة الأخلاق، ولا قوة الشرائع، والقوانين، إذا كانت هذه القوة إنما ترتبط بالعلاقة بين المرء ووطنه، أو العلاقة بيه وبين مجتمعه أو العلاقة بينه وبين نوعه على تعدد الأوطان، والأقوام، أما الدين فمرجعه إلى العلاقة بين المرء وبين الوجود بأسره...، وميدانه يتسع لكل ما في الوجود، من ظاهر وباطن، وعلانية، وسر أو مصير، إلى غير نهاية، بين أزال لا تحصى في القدم وأباد لا تحصى، فيما يكشف عنه عالم الغيب وهذا هو ميدان العقيدة الدينية في مثلها الأعلى وغايتها القصوى( ).
إن بحوث الأديان المقارنة تتطرق إلى مفهوم الدين بإعتباره مفهوما أو مصطلحا معقدا، ومتعدد الأشكال (concepte complexe et polymorphe) ويعرف معجم وبستر (Webster) الدين بأنه خدمة أو عبادة الإله وطاعته في وصياه، وتحري المؤمنين، السير على طريقة ترضيه في الحياة...
ويقول الفيلسوف كانط بأن الدين هو الشعور بواجبات من حيث كونها قائمة على أوامر إلهية...
ويقول شلاير ماخر أن قوام حقيقة الدين شعورنا بالحاجة والتبعية المطلقة...
إن كلمة Religion (الدين) لها تاريخ كأي كلمة أخرى..
دخلت الكلمة في اللغات الأوروبية الحديثة، مشتقة من الأصل اللاتيني (religio) أي الطقوس، والممارسات التعبدية...
والكلمة لم تذكر في الأنجيل فالمصطلح مشتق من كلمة (relegere) ويرى سيسرو (cicero) من كتاب روما القديمة في رسالته، حول طبيعة الآلهة (45-ق.م) أن كلمة religio تعني الشعور بالواجب، والتركيز التام على ما يفترض بالمرء القيام به...
ويرى القديس أوغسطين في رسالته الدين الصحيح (390-م) إن الدين الصحيح، كان يعني الإقرار بوجود الخالق، مع كامل التبجيل والتوقير، مع ربطه بتطور فكري سليم يؤدي إلى تصرفات سليمة، وقد يختلف التطبيق الدقيق لهذا الإقرار من عصر إلى عصر آخر، وقال بأن التدبير والتنظيم الإلهي لشؤون العالم تمثل في الديانة المسيحية التي جمعت بين فلسفة أفلاطون وحقيقة المسيح... ( ).
وقد أصبح الدين ذا مضمون لاهوتي، وعقائدي.. وكان مصدرا لشرعية السلطة التي تقوم بتحديد المواقف والأفعال السليمة، من طرف رجال الدين في الكنيسة، فيتم بذلك الجمع بين الحقيقة اللاهوتية، والسلطة الزمنية...
كما ساهمت حركة الإصلاح المسيحية (لوتر كالفين) في إحداث تحولات جوهرية في المسيحية الأوروبية، وكذلك التمهيد ببزوغ فجر العصر الحديث..
وجملة القول أن حالة التدين (religiosité) مرتبطة بحقيقة الواقع المتمثل في المذهب الديني السائد في أمة من الأمم، وليس الدين مجرد شعور بالمقدس (le sacré) يقابله نزوع بالدنيوي (le profane) لتحقيق الفردوس الأرضي..
هناك ارتباط وثيق بين النظام الاجتماعي، وطبيعة التصور الاعتقادي، وبالتالي فإن كل دين هو منهج للحياة بما أنه يشمل التصور الاعتقادي وما ينبثق عنه من منهج يحكم النشاط الإنساني... ( )
إن نزعة التدين في النفس البشرية تعد امتدادا لقوى النفس الثلاث: قوة الفكر، وقوة الوجدان، وقوة الإرادة.
والعناصر الأساسية التي تشكل الدين هي:
1- الشعور بالقداسة أي الشعور بالحقيقة المطلقة.
2- التزام واقعي بالدين (يشكل سلوك المؤمنين وتصورهم..)
3- العقيدة أو الإيمان.
4- العبادات والشعائر
5- أحكام المعاملات
6- الأخلاق والقيم الجمالية والحضارية.
فالخدمة التي يؤديها الدين، لا تقف عند تهذيب السلوك وتصحيح المعاملة، وتطبيق قواعد العدل، ومقاومة الفوضى، والفساد، إنه التزام المؤمنين بالروابط الروحية التي تشكل تصوراتهم ولما تمدهم به العقيدة من معرفة تحدد غاية الوجود الإنساني..
ومن شرائط الدين اللازمة أن تدين به جماعة يمتد أجلها وراء أجال الأفراد وتعاقب الأجيال، ويناسبها حيث تقدمت على مر الزمان مع تطور العلم والحضارة...
إنما تفضل الديانة سواها بمقدار شمولها لمطالب الروح وارتقاء شعائرها في آفاق العقل والضمير( ).
والخلاصة أن الأديان تشكل المكون الأساسي من ميراث الإنسانية ولا يمكن فهم الحضارات ومواقفها إلا بفهم الأديان التي تنتمي إليها، لأن الدين يعتبر أحد المحركات الرئيسية للجنس البشري..
إن الناس يرجون من الدين أن يرشدهم إلى طريق الأخلاق والآداب والفضائل والكمالات، دون تحديدها تاركا للعقول حرية التطور، في الشعور بها وبلوغ الغاية التي تنتظر مها...( ) سواء تعلق الأمر بمجال الاعتقادات أو المعاملات...
فالدين إذن شريعة، ومنهج، ونظر وتدبر، وتدبير، والتصور يشمل جميع مناحي الحياة الإجتماعية ويؤثر في تشكلاتها ونظمها الأخلاقية والاجتماعية والسياسية..، فالدين هو الفطرة السليمة التي تهدي الإنسان إلى أقوم السبل وتجعله يستفيد من إبداعات الفكر وثمرات النظر..

-5-
إن بعض العقائد يحصر الدين في دائرة الاعتقاد الوجداني أو الشعائر التعبدية...، وبذلك يصيب النفس بالفصام، لأنه يقسم الشخصية الإنسانية على نفسها، بين نوازع الجسد ونوازع الروح، وبين سلطان الأرض وسلطان السماء، وبين فرائض السعي وفرائض العبادة... ( )
وإن شمول العقيدة الإسلامية عصم المسلم من هذا الفصام النكد الذي يشق على النفس احتماله..، ولم يذهب الإسلام مذهب التفرقة بين ما لله، وما لقيصر، لأن الأمر كله لله...
ومن الخطأ الجسيم أن نحسب أن الفصام الوجداني الذي لا ترتاح إليه السريرة الإنسانية يمكن أن يكون حلا لمشكلة الحكم والطاعة قابلا للدوام...
إن الإسلام يقدم للإنسانية عقيدة تمتاز بالشمول الذي يجمع النفس والضمير، ويحقق المقصد الأكبر من العقيدة الدينية فيما إمتازت به من عقائد الشرائع، وعقائد الأخلاق وآداب الاجتماع ... ( )
لقد رأى فقهاء السياسة في الإسلام أن الدين هو نهج لسياسة الدنيا وسلوك فيها، وتعامل مع ظروفها وتقلباتها، وأن الشريعة هي المقياس والمرجع في أمور العبادة، وأمور السلوك الدنيوي... ( )
ويتناول الفقه السياسي أصول الحكم وكل ما يتصل بجوانب الحياة السياسية ولاسيما ما يتعلق منها بأصول النظام الإجتماعي، وكنه السلطة السياسية ودورها، كأداة لتحقيق الاستقرار كما عنى مؤلفو الآداب السلطانية بفن الحكم، وقواعد السلوك السياسي...
فالفقه الإسلامي أوسع نطاق من «القانون» بالمعنى الحديث لأنه يدرس مسائل خارجة عن نطاق القانون..، كأحكام العبادات وآداب السلوك والأخلاق..، ولا يقتصر على «علم الفروع» بل يشمل أيضا «علم الأصول» الذي يدرس مسائل مصادر التشريع (القرآن والسنة) ويبحث في طرق استنباط الأحكام الفرعية من تلك المصادر..
وتدخل أحكام الخلافة (أي نظام الحكومة) بطبيعتها في نطاق علم الفروع... ( )
وقد اختلف في وجوب الخلافة (الحكومة)، هل وجبت بالفعل أو بالشرع، فقالت طائفة بأنها وجبت بالعقل، وقالت طائفة أخرى بأنها وجبت بالشرع، بإعتبارها الإمامة رياسة عامة في أمور الدنيا، والدين،تنعقد باختيار أهل الرأي والجاه.
يرى مسكويه بأن الملك صناعة مقومة للمدينة حاملة للناس على مصالحهم، من شرائعهم، وسياساتهم بالإيثار أو الإكراه، وحافظة لمراتب، الناس ومعايشهم لتجرى. على أفضل ما يمكن، أن تجري عليه ( ).
ويرى الإمام الغزالي بأن السلطان ضروري، في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري، في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة، فكان وجوب الإمام، من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه( ).
أما ابن خلدون فإنه يرى بان الملك إنما حصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية..
ويقول بأن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة، على قوة العصبية التي كانت لها.. لأن الصبغة الدينية تذهب بالتنافس، والتحاسد الذي في أهل العصبية، وتفرد الوجهة إلى الحق...
وإن الدول العامة الاستيلاء، العظيمة الملك أصلها، الدين أما من نبوة أو دعوة حق... ( )
ويرى أبو الحسن الماوريد (ت. 450 ه/1078م) وهو من أبرز أعلام الفكر السياسي الإسلامي، بان قواعد الملك مستقرة على أمرين: تأسيس وسياسة...
فالتأسيس يكون بتثبيت القواعد والمبادئ، وينقسم ثلاثة أقسام:
تأسيس دين، وتأسيس قوة، وتأسيس مال وثروة.
وتأسيس الدين، هو أثبتها قاعدة، وأدومها وأخلصها طاعة..
وعندما يخرج الملك من منصب الدين، فيتولى عليه غير أهله مما يترتب عنه نفور النفوس وتبرم ومعصية القلوب، وإن طاعته وخضعت له الأجساد، مما يفتح للوثوب عليه أبوابا بغية تغييره وتبديله أو تعطيله، فالنفوس تتشبث بالدين الذي هو لهم معتقد، واستقرت في القلوب أصوله وقواعده..
ويقول بان الدين والملك توأمان لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه لأن الدين أس والملك حارس، وإن مالا حارس له ضاع، وما لا أس له منهدم.. ( )
إن الدين أذن هو مجموع ما شرع الله، من أحكام، منزلة على أنبيائه، وهو جامع الإيمان (أي الاعتقادات)، والمناسك، والتعبدات، هي مظاهر الإيمان، والشرع، فرع من فروع الدين، وهو دستور الفرائض، والسنن، التي جاء بها الدين، ودستور الحكم الشرعي، والحكم السياسي..
ومن ضمن العناصر المكونة للدين الشرعة، والمنهاج...
فالشرعة هي مجموع الأحكام الأساسية، المبينة للأصول الشرعية، والقانونية، التي عليها يبني المجتهدون دراساتهم واستنباطاتهم، وتشمل على الفقه. وهو مجموع الأحكام، وقواعد الشرعة، التطبيقية...
أما المنهاج فهو عبارة عن الأصول الفكرية التي عليها مدار الحياة المستقيمة... ( )
وهذه الأصول موافقة للفطرة السليمة، بمعنى القدرة الإدراكية المعرفية التي تتيح للإنسان حسن التصور لحقيقة الدين والشريعة، ومنهاج الحياة...
وإن سر قوة رسالة الإسلام تكمن، في دعوته الإنسانية، وما تضمنته عقيدته وشريعته، من قيم وأصول تؤسس لحياة اجتماعية سليمة تقوم على العدل...
فالشرعة هي الحكم، وبما أن الحكم، مناط السياسة، ولا يقوم إلا بها فإن السياسة تكون لازمة للدين وحارسة لأحكامه ومنفذة لمقاصده...
والسياسة هي التدبير المؤدي إلى ما يقصد ، حفظه على صورته الفاضلة، والسياسة إستصلاح الخلق، بإرشادهم إلى الطريق القويم، بمعنى أنها القانون الموضوع، لرعاية المصالح، وانتظام الأحوال، وتقال أيضا على تدبير المعاش بإصلاح أحوال جماعة مخصصة على سنن العدل والاستقامة وتسمى سياسة مدنية، وتسمى أيضا بالحكمة، السياسة، وسياسة الملك، والحكمة المدنية( ).
وعلم السياسية علم تعلم منه، أنواع الرياسات، والسياسات الاجتماعية المدنية، وأحوالها...وعلة زوالها أو انتقالها وأمر الرعية وعمارة المدن....
ويرى ابن خلدون بأن السياسة العقلية، تكون عل وجهين، احدهما يراعى فيها المصالح على العموم، ومصالح السلطان في استقامة ملكه على الخصوص، والوجه الثاني تكون المصالح العامة في هذه تبعا، وهذه هي السياسة التي يحمل عليها أهل الاجتماع..
إلا أن ملوك المسلمين يجرون منها، على ما تقتضيه الشريعة الإسلامية، بحسب جهدهم، فقوانينهم مجتمعة، من أحكام شرعية وآداب خلقية، وقوانين، في الاجتماع طبيعية، وأشياء من مراعاة الشوكة، والعصبية ضرورية، والاقتداء، فيها بالشرع أولا ثم بالحكماء في آدابهم والملوك في سيرتهم... ( )
ويقول الماوردي بأن الملك يساس بثلاثة امور، احدهما القوة في حراسته، وحفظه، والثاني بالرأي في تدبيره، وانتظامه، والثالث بالمكيدة، في فل أعدائه..فتكون القوة مختصة بالعقل، والرأي مختصا بالتدبير، والدهاء والمكيدة في مواجهة الأعداء... ( )
ويرى ابن المقفع الأديب الفيلسوف، بأن التراضي، لا يتحقق في أحسن وجوهه، وأطواره. إلا إذا كان ثمرة لنور العقل وتبصره الذي ينفذ إلى أغوار قوة الدولة، ويوجهها، وفقا للتدبير الحكيم، الذي يلبي متطلبات الأفراد، والجماعات...
ويعتبر بأن مهمة العقل في الدولة هي التفكير والتنوير، والتنظيم، والتدبير، والتوفيق، والتوسيط... ( )

-6-
أما عند المعاصرين فإن السياسة تتفرع إلى فصلين، يختص كل منها بمصطلح مأخوذ من بولتيك (politik) الأول بمعنى علم الدولة، ويتناول نظريات تكوين الدولة، وشكلها وموقعها في المجتمع، وما تنهض به من مهام، أما الثاني، فيتعلق بالمعنى الحرفي للسياسة ويفيد فن القيادة، وفن الحكم...
إن كلمة السياسة مشتقة من التمدن السياسي (polis) ، وبوليسى (politiea)، أي المجتمع المتمدن المتحضر، و(politica) وتعني الأشياء المدنية السياسية..
فالعقل اليوناني، لم يكن يتصور الدولة، بدون المدينة، وقد أخذ عنه نفس الاستعمال اللاتين، بحيث نجد (respublica) أي الشيء العام، ومنها الاشتقاق (republicain) بمعنى مدني..
إن كلمة بوليتيك(politica) أخذت تستعمل في اللغة الفرنسية في القرن الثالث عشر، بمعناها اليوناني، وجاء في كتاب برينولاتينو: (ديوان جميع الفنون:le vivre de toutes choses)، بأن السياسة هي حكم المدن، وبأنها أنبل العلوم، وأسماها وتشمل جميع الفنون، التي تهم الجماعة الإنسانية..
ويعرف قاموس الأكاديمية: السياسية، بأنها تتناول كلما يتعلق بحكم الدولة، وإدارة العلاقات الخارجية، وجاء في الموسوعة الكبرى (l’encyclopédie) بأن السياسة تعني اصطلاحا فن حكم الدولة، ودراسة المبادئ التي تقوم عليها الحكومات، وعلاقتها بالمواطنين والدول، وقد لاحظ الأستاذ موريس دوفرجي بأن المصطلح عرف تطور خلال قرن، فقد ورد في معجم لتري سنة 1870 بأن السياسة هي حكم الدول، في حين جاء في معجم روبير عام 1962 بأن السياسة هي فن حكم المجتمعات، البشرية...، والقاسم المشترك بين التعريفين هو كلمة (حكم) وتعني السلطة المنظمة( ).
وفي لسان العرب، فقد ورد، بأن السياسة، هي القيام بالأمر بما يصلحه، والأمر هنا يدل على تدبير شؤون الحكم والدولة...
وعلم السياسة يبحث في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، كما يدرس خصائص القيادة السياسية، ووظائفها، وذلك من منطلق أن السياسة إدارة وتدبير، وهي أيضا علاقة صراع، ومنازعة..
وتفرق الباحثة شانتال موف (Chantal Mouffe) بين مفهوم السياسة وبين الصفة أي السياسي، فالمراد بالسياسي البعد التعارضي أو التنازعي وهو احد مقومات الحياة السياسية، في حين أن المراد بالسياسة، جملة الممارسات التي تنشئ نظاما مخصوصا يضبط التعايش بين الناس، في إطار التنازع الذي ينتج عن ’’السياسي... ( ).
إن منشأ النزاع هو الاختلاف، في القيم، ونظرا لأن النزاع دائم، وجبت إدارته، مما يجعله، لا يتفاحش، وذلك بتهذيبه، بإيجاد فضاء واسع يتمتع فيه الأفراد، والجموع، بالحريات، مع التسليم، بعضهم لبعض بالفروق، جاعلا التعايش مع التنازع شيئا ممكنا، بل شيئا محققا..
أرادت الباحثة، أن ترقى بالتنازع، من مجرد اختلاف، في المصالح والأغراض المتقلبة، مع الظروف، إلى مرتبة بنية مقومة للكيان الإنساني..
إن مجال الحدود السياسية هو مجال القيم، ولا يمكن استنباطها من الوقائع، لأن القيمة من باب الوجوب، والواقعة من باب الوجود، والوجوب السياسي لا يستخرج من الوجود السياسي( )
فلابد للفعل السياسي من دليل أو تقليد يسنده، وفي هذه الحالة فأما أن تكون الحدود السياسية، حاصلة باقتباس بعض الحدود الدينية مثلا كقيم ’’العدل والحرية، والمساواة’’ او تكون حاصلة بالقياس على هذه الحدود كقياس التسامح على الاحترام (والحرمه ما يحرم انتهاكه أي أن له قدسية بالمعنى الديني).
وعندئذ تكون مشروعيتها مستمدة، من أصل ديني ينبغي الإقرار به. وأما أن تكون الحدود السياسية هي عين الحدود الدينية...خضعت لعملية التغييب الخاصة، بالعمل السياسي وتكون مشروعيتها مغيبة وهي مشروعية دينية( ).
إن أي نظام للحكم يستلزم بحكم محدودية الإنسان وجود نظام أفضل منه، بحيث يتم الاجتهاد في استنباط نظام آخر يفضله، وهكذا دواليك ومن هذا المنطلق فإن احد الأصول التي تخرج ’’الديمقراطية’’ إلى صورة أفضل هي اعتبار الشهادة ركنا في المناقشة.
إن الشهادة لا توجد إلا بوجود الآخر، ولا مبرر لها إلا جلب المصلحة، ولا هدف لها إلا تحقيق العدل( ).
إن المتشبع بالقيم لا محالة اتجه إلى قطع الأسباب التي تولد الطغيان في مؤسسات النظام السياسي، والاجتماعي، فالحرية ليست في العبودية للقانون، لأن القانون، لا يتعبد به، وإنما يتوسل به ولا في العبودية للحرية السياسية، لأنها حرية نفسية، والحرية النفسية لا تؤمن ظلم النفس، وإنما هي في تحقيق الإنسان، بأنه محدود بالطبع، وبأنه مهما فعل، لا يمكن، أن يتجاوز حدوده، ولو أنها غير ثابتة ( ).
إن الدين برمزيته، لا يمكن تصوره بمعزل عن التدافع الاجتماعي فالعلاقة بين الدين، والسياسة تحدد للوجود الإنساني أفقه، وعمقه، بل معناه، وغايته.. وبالتالي، فإن الدين، والسياسة ليسا مجالين مختلفين من مجالات النشاط الإنساني، وإنما هما منهجان متباينان لتدبير، هذه المجالات، بحيث كل ما يمكن أن تدبره بواسطة احدهما يمكن تدبيره، بالآخر فيتعين الاختيار بحسب الغاية التي يراد الوصول إليها... ( )
ومتى وضعنا في الاعتبار، بأن حياة الإنسان كل متكامل، وأن مختلف مجالاتها يتعلق بعضها ببعض، تبين أن الحدود التي أقامها دعاة الفصل ( وتوزيع السلطات والاختصاصات) بين مجال العمل الذي يختص به رجال الدين، ومجال عمل رجال السياسة، لا يمكن أن تكون حدودا حقيقة أو ثابتة...
من هذه الزاوية يمكن أن نفهم النظر الغربي، من العلاقة بين الدين والسياسة في الإسلام، الصادرة عن خلفيته لائكية (Laïcisation) غير واعية، بتعدد، واختلاف، وتباين، السياقات التاريخية والحضارية المتجددة، لتشكل العلاقة بين مجالي الدين، والسياسة... ( ) .
ومن الخطأ الجسيم إسقاط نظام مفاهيمي على واقع اجتماعي وسياسي، مغاير وذلك بغرض إخراجه، من دائرته الحضارية، والثقافية..
والحق أن التصورات الذهنية، لا يكون لها معنى، إلا عندما تؤسس لعلاقة، سليمة، بين الفكر وبين تاريخه..
وإن الإدراك العلمي الموضوعي، للرؤية الإسلامية للسياسة الشرعية، لا يتأتى، إلا بالرجوع إلى فلسفة النموذج الحضاري الإسلامي.

-7-
إن نظرية الإسلام حول مسألة السياسة الشرعية أو علاقة الدين بالسياسة، يصعب على من لم يتشرب روح الشريعة ويتذوق معانيها ويدرك مقاصدها، من خلال الأطر الثقافية والمعرفية الإسلامية، التي تختلف عن النظرية المعرفية في الفلسفة الغربية، ولهذا الفارق بين النظريتين، دلالة مهمة، في فهم الأساس القيمي للشرعية السياسية، فمن المستحيل أن نفهم الثقافة السياسية الإسلامية، بدون أن نفهم حقائق التصور الإسلامي، ومقوماته..
إن الإسلام انشأ نظاما للحياة، ذو خصائص مميزة يقوم على تحكيم الشريعة.
وإن إقامة النظم، والمناهج والشرائع، والقيم، والموازين الغرض منها الإقرار بسلطان الألوهية، واعتبار أن الحاكمية أو السيادة بمعنى الربوبية والالوهية، في السماء والأرض وفي الحياة الآخرة، وفي ضمائر الناس، وشعائرهم، هي من خصائص الألوهية...
وإن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هناك ألوهية واحدة لهذا الوجود، وعبودية شاملة تتمثل، في جميع الخلائق من أشياء وأحياء.. ( )
ومعنى أن الإسلام دين الفطرة (الدين ضرورة فطرية من جهة الاعتقاد) أنه يتفق مع ما جبل عليه الإنسان، بصفته إنسانا، من حمله للعقل والاستعداد للحضارة، والقدرة على اكتساب المعرفة...
أما المقصد العام للشريعة فهو عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش بين الناس...
والشرع هو تهذيب للطبع، فالغاية من الطاعات هو التربية، والامتثال، الذي هو أساس كل عمل ديني، فالإنسان حيوان بطبعه، لا يسمو به عن درجة الحيوانية إلا ماأخذ به نفسه، من خلق ودين، وهو ما ركب، في فطرته كإنسان مكلف( ).
وإن جماع المقاصد الشرعية حول علاقة السياسة بالشرع ما قاله ابن قيم الجوزي (ت 751ه) بأن الشريعة عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، وكل مسألة خرجت عن هذا الإطار، فليست من الشريعة...
فالسياسة إذن، ما كان فعلا يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، ذلك أن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل وحيث ظهر العدل فثم شرع الله ودينيه.. ( )
إن الله لم يخلق الناس سودى، فقد إستخلفهم في الأرض وجعل العبادة حكمة الإيجاب للإنسان والعمل كله عبادة لأنه يندرج ضمن رسالة الإنسان في تعمير الأرض، طبقا لنواميس الكون، والأحكام الشرعية، وهو مطالب بتعلم هذه النواميس، والأحكام عن طريق النظر والدرس وبذل الجهد، في سبر كنهها، والوصول إلى سرها.
إن الحكمة، والقصد من النبوة، ومن الشريعة تحقيق المصالح..
وقد قسم الإمام الشاطبي المصالح إلى ثلاثة أقسام:
1- الضرورية 2- الحاجية 3- التحسينية.
وكونها ضرورية أنه لابد منها، لقيام مصالح الدين والدنيا.. ومجموع الضروريات التي أجمعت الملل والنحل على مراعاتها خمسة حفظ الدين والنفس، والعقل، والنسل والمال... ( )
لقد نظر الإسلام إلى المسلمين، باعتبارهم امة ألفت بينهم الأخوة الدينية...
وقد تناول على شريعتي مفهوم الملة، من منظور علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع المعرفي...
يقول بأن كلمة أمة مشتقة من الأم، وتعني، قصد وعزم، كما تستعمل في صيغة مركبة على أربعة أوجه، منها (اختيار- حركة- تقدم- هدف)
ويتضمن المفهوم أيضا المعاني التالية: (الاشتراك في الهدف ووجوب القيادة والهداية المشتركة...) ( )
يستخلص، من مجموع المعاني، التي تحتويها، الكلمة، أن الأمة تعني، جامعة إنسانية، يشترك جميع أفرادها باتجاه هدف آو صوب قبلة، وبقيادة قائد يتفق عليه الجميع..
ويرى بأن هذا الوصف ينطبق على المجتمع الإسلامي.
وتطرق إلى مفهوم الإمامة، وقال بأن الإمامة هي التي تقود الأمة إلى الهدف، وبالتالي فلا يتصور وجود أمة بدون إمامة..
ويشير إلى أن أهم مسألة مطروحة على صعيد بحوث علم الاجتماع السياسي...تتعلق برؤيتين حول أشكال النظم والحياة السياسية..
الأولى إدارة المجتمع والثانية هداية المجتمع.
الرؤية الأولى تعتبر أن السياسة (politique) تعني إدارة المدينة بأفضل الطرق بغية تحقيق الرفاهية، والاستقرار.. ( )
أما الرؤية الثانية فتنظر إلى السياسة من زاوية التربية وبناء الشخصية، بأفضل صورة لترتقي، وتتكامل في الرؤية والعقيدة..
ويخلص إلى أن الحكم له فلسفتان، فأما أن تلتزم بقيادة الناس وتربينهم على أفضل شكل، وعلى مذهب معين فتكون معلما، وقائد (السياسة) وأما تكون مديرا وحافظا، وحارسا للمجتمع..
نستنتج من هذا أن التدبير عمل خدماتي، لإرضاء المخدوم، أما الإصلاح فهو الرقي، بالمجموع لكي يكون قادرا على بلوغ الكمال فالخدمة إعانة للشخص، في وجوده والإصلاح إعانة للشخص في صيرورته...
الخدمة باتجاه الإسعاد، والإصلاح، باتجاه التكامل والإكمال..
التعلم خدمة، والتربية إصلاح، العلم خدمة والدين إصلاح... ( )
إن المفهوم الغربي للسياسة يهدف إلى إدارة الدولة وفقا للتطلعات العامة، في الرفاه...وإن هدفها خدمة الجماهير لتحقيق رغباتها وليست الإصلاح الهادف إلى الرقي بالحياة..
إن عدم التزام بمبادئ الإصلاح أدى إلى تحكم الروح الجماعية وحاكمية الدولة، والاستبداد الفكري..
أما إعلاء الحريات السياسة في الغرب فقد أدت إلى بروز الروح الفردية والحرية الفكرية والديمقراطية...
إلا أن أرقى رابطة يحسها الإنسان هي وحدة الفكر، والعقيدة والإيمان...
إن وظيفة الحكم في الرؤية الغربية تركز على إدارة الدولة، في حين تسعى الرؤية الإسلامية إلى إصلاح الإنسان وتزكيته وتهيئته للهدف الذي خلق لأجله، فالهدف هو الرقي بالإنسان وليس السيادة على الإنسان..
إن السيادة الحقيقية في المرجعية الإسلامية تعود إلى أصول الشريعة ومبادئها، أما السيادة السياسية، فهي للأمة، التي تختار الحكام وتقيلهم...
وأركان حكم الأمة هي الشورى والإصلاح والعدل، وتقع تبعات الحكم على الأمة كلها بجميع عناصرها... ولهذا كانت أمانة الحكم مقرونة بأمانة مثلها، وهي أمانة الدعوة والإرشاد وأمانة التشاور والتعاون وأمانة الإصلاح...
إن الإسلام يوحي إلى المسلم عقيدة في الذات الإلهية، وعقيدة في الهداية النبوية، وعقيدة في الإنسان لا تعلوها عقيدة في الديانات أو في الحكمة النظرية أو الحكمة العملية ..
وإن أحكام الإسلام لا تعوق المسلم عن غاية تفتحها أمامه أشواط العلم والحضارة، وأطوار الاجتماع.. ( )
وصفوة القول فإن الإسلام زاد الإنسانية، في طريق المستقبل الطويل تلوذ، بعقيدته، حيث نضبت الازواد من العقائد الروحية أو تكاد، ولا تخطئ الملاذ.
- لأنه عقيدة تفكير، وإيمان...
- ولأنه عقيدة تغمر الضمير وتطلق العقل للمعرفة في الآفاق.
- ولأنه العقيدة التي تدعو إلى العدل والإصلاح والصلاح...
- ولأنه عقيدة الأمة الوسط الممتدة عبر الزمن والحاضر في حركة الحياة، ومعركة الحضارة، في كل دور من أدوراها،شاهدة على دور الفكرة الدينية في تشكل النظم الاجتماعية والسياسية، وفي التأثير في حركة التاريخ..
وبأن الهدف العام من السياسة هو قيام دولة ذات كيان سياسي وأخلاقي واجتماعي..، تقوم على العلم والحكمة والشورى، ويسودها الحق والقانون والإخاء والمساواة..

أضافة تعليق