مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2014/08/17 20:10
إشكالية التحولات داخل التيارات السلفية (1 -2)
إشكالية التحولات داخل التيارات السلفية (1 -2)

أحمد فهمي

هل أنت سَلَفيٌّ؟ قبل سنوات بعيدة كانت الإجابة عن هذا السؤال بنعم أو لا كافية؛ دون حاجة إلى تفصيلات إضافية، لكن في واقعنا المعاصر تصبح هذه الإجابة قاصرة في دلالتها إلى حدٍّ كبير؛ إذ يجب توضيح التوجُّه السلفي الذي تتَّبعه والشيخ الذي تتعلم منه وتستفتيه، وربما يكون أفضل لو حدَّدت بلدك أو محافظتك أو مدينتك، وفي بعض الأحيان مسجدك الذي تصلِّي فيه؛ كي تتضح الصورة تماماً للسائل.

يصعب وضع خريطة دقيقة لتوزُّع الانتماءات والتوجهات داخل التيارات السلفية، فالسلفيون يتوزعون إلى تيارات وجماعات ومستقلين، مع الأخذ في الحسبان التفاوت المصطلحي في توصيف: الجماعة، والتيار، والمستقلين.

لكن بالإمكان تحديد محورين رئيسين داخل هذه البنية السلفية المعقَّدة؛ المحور الأول: هو النشأة، ونعني به: أن نشأة التجمعات السلفية فطرية الطابع، لم يسبقها - في الغالب - تخطيط أو تدبير، ولذلك نجد السلفيين منتشرين في كل مكان، وهذه النشأة غير الموحدة للتيارات السلفية أنتجت مسارات تتعدد أحياناً بتعدُّد الرموز والمشايخ، وهذا يعني: أن الدعوة إلى دمج التيارات السلفية أو توحيدها ليست دعوة إلى العودة إلى الأصل، ولكنها دعوة خارجة عن السياق التاريخي لهذه التيارات، وهذا من ضمن ما يعرقل نجاح هذه الدعوة.

المحور الثاني: هو منهج التعامل مع الواقع؛ فمع تعدُّد التجمعات السلفية تعدَّدت الرُّؤى والأفكار والتصورات، حتى إن بعض التوجهات السلفية أصبحت تنفر من وصفها بـ «السلفية» رغم أنه لا يوجد لها انتماء أو توصيف آخر، وفي المقابل توسَّع آخرون في حرمان مخالفيهم من الانتماء إلى السلفية.

ويُضـاف إلى التـعـدُّد المنـهـجي مـا يمـكن تسمـيـتـه بـ «اختلاف المطالع»، حيث يختلف أصحاب التوجُّه الواحد باختلاف الدولة التي ينتمون إليها.

لستُ بصدد تحليل أسباب الخلاف السلفي، ولكن ما يعنينا هنا أحد أبرز أسباب هذا الاختلاف الأفقي والرأسي - داخل التيارات السلفية، وهو قابليتها العالية جماعياً وفردياً للتحول الفكري، وميل أتباعها الحيوي والنشط إلى تصنيف الأشياء والأشخاص والأحداث بصورة مستمرة من أجل تحـديد المواقف الشرعية تجـاهـها، وهو ما يفتح الباب على مصراعَيْه لاختلاف الاجتهادات والمواقف التي تؤدي بدورها إلى مزيد من الاختلافات والتحولات.

وعلى الصعيد الفقهي لا يوجد ما يمنع أي رمز سلفي من التراجع عن رأي أو توجُّه أو موقف اتخذه سابقاً ويراه حالياً خطأ أو غير مناسب، طالما استند في الحالتين إلى تسويغ شرعي أدَّاه إليه اجتهاده العلمي المنضبط بالضوابط الشرعية؛ بغضِّ النظر عن كونه أصاب في أحد الموقفين وأخطأ في الآخر، وبغضِّ النظر عن كونه انتقل من خطأ إلى صواب؛ أو العكس، أو من خطأ إلى خطأ آخر.

وهذا النمط من التحول يعطينا في الواقع بعض الأمثلة العصيَّة على الاستيعاب؛ فعلى سبيل المثال: قد ينـشأ خـلاف بيـن توجُّهين سلفيين بسبب الموقف من قضيةٍ ما اختلف فيها اجتهاد رموز التوجُّهين، ومع الوقت يترسخ الخلاف وتتعدد له مظاهر وأسباب أخرى، بحيث إن رجوع أحد التوجُّهين إلى اجتهاد التوجُّه الآخر من تلك القضية في زمن لاحق لا يكون له أدنى تأثير في إزالة الخلاف.

إن التحولات داخل التيارات السلفية قضية بالغة الأهمية؛ لكونها تؤثر على قدرة هذه التيارات على الاضطلاع بدور فعَّال في مجتمعاتها، والعبرة هنا ليست في مطلق التحول؛ فهذا أمر وارد بالنظر إلى الطبيعة البشـرية، ولكن المشكلـة هـنـا هـو أن يرتبـط التحـول الفكري بالانـتـمـاء أو المفاصلة مع الموافقين أو المخالفين.

وما يعنينا في هذه الإشكالية هو مناقشة أربع نقاط:

أولاً: أسبابها، ثانياً: أنواعها، ثالثاً: أنماطها وأشكالها، رابعاً: كيف نعالجها أو نخفف وَطْأتها؟



أولاً: الأسباب:

بخلاف ما ذكرناه سابقاً فإن هناك أسباباً كثيرة لحدوث هذه التحولات، منها: افتقاد التيارات السلفية لإطار منهجي فكري واحد تتفق عليه؛ أو على غالبيته، وإذا كانت هذه التيارات تتفق في العموم على مجموعة من الثوابت والمفاهـيم؛ إلا أن الخلاف يتفاقم مع التطبيق الواقعي لها؛ فهم يتفقون - مثلاً - على نبذ البدعة والابتداع وعلى ضوابطها الشرعية وأمثلتها القديمة المعـروفة، ولكنهم يختلفون أحياناً في توصيف بعض الاجــتـهادات العلمية السائغة سواء كانت راجحة أو مرجوحة - هل هي بدعة أم لا؟

ومنها: ضعف الإطار التنظيمي الذي تمارس التيارات من خلاله عملها الدعوي، وهو ما يسمح بتحوُّل الاختيارات الفقهية والخواطر والهواجس والمشاعر والانفعالات إلى عوامل مؤثرة في تحديد انتماء الفرد وتبعيته لهذا التـيار أو ذاك، ومن ثم يسهل تخلِّيه عن توجُّهه الحالي والتحول إلى توجُّه آخر موجود بالفعل، أو إنشاء توجُّه جديد.

ومنها: طبيعة التكوين العلمي للشخصية السلفية التي ترسِّخ لدى الفرد أهميةَ التحقيق والاجتهاد والنظر في الأدلة؛ إلى الدرجة التي تضعف لديه القابلية لتحمُّل من خالفوه في اجتهاداته وتحقيقاته، كما تجعله مستعداً لتغيير انتمائه تأثُّراً بخلاف محدود في مسألة واحدة.

ومنها: غلبة نمط «الشيخ والأتباع» مقارنة بنمط «الجماعة والأتباع»، ورغم أن الأول يناسب الطابع العلمي للتيارات السلفية؛ إلا أنه لا يسمح بتطوير أداء هذه التيارات داخل المجتمع وممارسة أدوار دعوية أكثر فاعلية وتأثيراً، فهذا النمط يُعدُّ إيجابياً بالنظر إلى الدور العلمي للسلفيين، ولكنه أقل إيجابية بالنظر إلى الأدوار الأخرى المنوطة بهم حالياً ومستقبلاً.

ومنها: الضعف النسبي للعملية التربوية التي تنتج أجيالاً تربَّت على ثوابت المنهج السلفي ومفاهيمه، وهو ما أسفر عن اختلال في التوازن بين مستوى التحصيل العلـمي ومستـوى التطـبيق العـملي، وهـو الميزان الذي يميز المنهج السلفي بالأساس والذي عبَّر عنه التابعي أبو عبد الرحمن السلمي - رحمه الله - بقوله: «حدثنا الذين كانوا يُقْرئوننا القرآن كعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلَّمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً».

ومـنها: الضـغوط الأمـنية التــي تمـارس عـلـى السلفيين رموزاً وأتباعاً، ونتيجة ضعف الأُطر المنهجية والتنظيمية التي سبق الإشارة إليها؛ فإن التأثر بهذه الضغوط يصبح وارداً بقوة، كما ينتج عنه تداعيات سلبية بالنظر إلى غلبة نمط «الشيخ والأتباع» على البناء الداخلي للتيارات السلفية، أي أن تحوُّل الشيخ أو الرمز يؤدي إلى سلسلة من التحولات في الاتجاه نفسه أو في اتجاه مخالف.

لا شك أنـه توجـد أسباب أخرى، ولكن تلك أبـرزهـا، ونكـمـل الحـديـث عن بقـية النـقاط في العـدد القـادم -بإذن الله-
...........................
.عن مجلة البيان عددرمضان 1429ه
أضافة تعليق