مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2019/06/06 18:11
خواطر حول التفسخ الإجتماعي المسلم
نحن نعيش عصر الإنحطاط و أول مجال طاله هذا الإنحطاط : الحياة الإجتماعية للمسلمين، كل عام تصدر نسبة معينة عن المصالح المعنية في وزارات الأسرة في مختلف دولنا تحدد نسبة إنتشار ظاهرة العنوسة في مجتمعاتنا و إرتفاع هذه النسبة يعني الكثير منها أنه كلما عزف الشباب عن الزواج كلما ساد الفساد الأخلاقي و عمت العلاقات الغير الشرعية و الإنحرافات الجنسية. من سنين عدة، كنت أجري حوارا لديبلوماسيا امريكيا و في لحظة ما كنت مشغولة بأختيار سؤال من مجموع الأسئلة التي أعددتها لطرحها عليه، فإذا به يفاجأني بملاحظة : -ظاهرة عزوف شبابكم عن الزواج مقلقة. لم أعقب، كان بالي مشغول بالبحث عن السؤال، فإذا بالرجل الأمريكي يسترسل : -نحن في أمريكا يحرص الشباب السوي علي الزواج قبل 30 من العمر هكذا يعف نفسه و يشترك مع زوجته في بناء أسرة و مستقبل زاهر لهم. فقررت أن ارد عليه : -سيدي في امريكا السبل متاحة لشبابكم كي يتزوج، يختلف الوضع في الجزائر. -ماذا تعنين بهذا الكلام ؟ سألني. لم أجبه، لأنني لم أكن اريد أن أخوض معه في هذا الموضوع الذي لم أبرمجه ضمن الحوار، فسكت بينما كان ينتظر الديبلوماسي الأمريكي مني ردا. -أجيبي عن سؤالي ؟ قال لي. -معذرة لا أريد أن نبتعد عن أسئلتي الأصلية، ثم سيدي أنت تعيش بيننا و علي علم بمختلف الأزمات التي نعاني منها كالإقتصادية و التي تقوض قوامة الشاب في الإنفاق، فيفضل العزوبية علي الزواج. ساد صمت بيننا للحظات ثم وجدت السؤال الذي كنت ابحث عنه، فهممت بطرحه، فإذا بالديبلوماسي الأمريكي يباغتني : -هل أنت جادة فيما قلتيه ؟ لم أفهم في الوهلة الأولي مراده، فأحترت ماذا أقول ثم قلت : -معذرة، ماذا تقصد بسؤالك ؟ -كأنك تقولين بأن صعوبة المعيشة تبيح للشاب عدم الزواج، و تتجاهلين هكذا أن كل شباب العالم في بدايات تكوين أنفسهم سيجدون صعوبات متفاوتة من بلد إلي آخر، إذن الأمر لا يعفي الجزائري من الزواج باكرا أي كانت التحديات التي تواجهه ثم لا تنسي لا يستطيع الرجل ان يستغني عن المرأة. أخفيت إبتسامة ثم تظاهرت بجدية كاملة و قلت له بنبرة سريعة لأعيده إلي اسئلة الحوار : -ممتاز انا أوافقك تماما و الآن أجبني من فضلك فيما يخص هذه المسألة الحساسة في الملف... بعد هذا المقطع من هذا الحوار بسنوات، عثرت علي إيجابة لمغني إيرلندي شاب عن رأيه في المرأة و الزواج، و بعد قراءتي له شعرت بأن الرجل تحدث بشكل أفضل مما يفعله بعض دعاتنا لحث الشباب علي الزواج و ها هو رأي المغني الإيرلندي السيد شاين فيلان : "لحظة ما تقدمت لفتاة أحلامي شعرت بعظم المسؤولية و كنت جد عصبي هل ستقبل بي أم لا ؟ فالمرأة أجمل المخلوقات و أرقهم و لا بد للرجل الشاب ان يدرك ذلك و هو يكمل حياته بالزواج. كنت فتي و كنت أكن عظيم الحب لأمي و يوم صرت شابا أدركت بأنه كان يتعين علي البحث عن نصفي الآخر أي زوجة المستقبل فقلت لأمي "أماه آه الحياة و الكون بدون وجود المرأة كابوس و قد حان الوقت لأخطب و أتزوج." فباركت أمي فعلي و هكذا تزوجت إبنة رئيس وزراء إيرلندا. زوجتي كانت شابة جد طبيعية متواضعة لها جمال الروح و لحظة ما وضعت خاتم الزواج في إصبعها نظرت لها و فهمنا فورا أننا اصبحنا واحد." "كنت شابا في بداية حياته المهنية، لم أحقق بعد مع أصدقائي في فريقنا الغنائي القدرة و الإمكانيات لأؤسس أسرة، هذا و فتاة أحلامي كان والدها يحتل منصب سياسي كبير و لم أكن أدري شيء عن ذهنيتها و فيما تفكر فيه. كنت معجب بها عن بعد و لم أعاشرها كصديق لهذا كان قراري صعب لكن دعوت الرب أن يوفقني و بعد حفل غنائي حضرته زوجة المستقبل طلبت من إحدي صديقاتها أن تأتي معها لقاعة الإستراحة و غاب أصدقائي تفهما للموقف و في حضور صديقتها المقربة طلبت يد إبنة رئيس وزراءنا و انتظرت ردها علي الجمر، فنظرت لي و أبتسمت و قالت بحياء " نعم أقبل بك زوجا." و من سنة راجعت سيدة جزائرية من نخبتنا الجامعية و المتخصصة في علم الإجتماع و سألتها هذا السؤال : -إلي أي مدي يتحكم المجتمع الجزائري المتخلف في قرارات الشاب الجزائري ؟ -بنسبة 80 بالمائة. أجابتني. فأدركت حينها أن مشكلتنا الرئيسية تتمثل في : الفتي المسلم نتاج عصر الإنحطاط عوض أن ييسر علي نفسه و يختار فتاته و يتزوجها بدون مقدمات ينصاع إلي اهواء مجتمع الإنحطاط و يتجاهل حاجته الفطرية و لا يعبأ بتصور الإسلام الذي يحثه علي إكمال نصف دينه بالزواج علي سنة نبيه عليه أفضل الصلاة و السلام و تكون هكذا إنطلاقته في الحياة غير صحيحة. فعامل التنشئة الإجتماعية يخرج لنا جيل غير قادر علي ان يقرر بشكل مستقل و وفق فطرته السليمة و مرجعيته الدينية الأصيلة. بالفعل كما أشار ذلك الديبلوماسي الأمريكي لا تمثل الصعوبات الإقتصادية عائقا مطلقا في وجه الشاب و هذا لسبب بسيط في رأي طبعا : أن الحياة إبتلاءات و ليس لأن الوضع متخلف و غير ملاءم نبرر التخلي عن ركن بأهمية و قدسية الزواج. فسبل علاج آفة إنخفاض نسبة الزواج و هي تمثل علي المدي المتسوط و البعيد عامل فناءنا إن لم نبادر بإيجاد حلول عملية لها، أقول سبل العلاج موجودة و أهمها : أن يعي كل فرد مسؤول في مجتمعاتنا أن حياته و مآله في الدنيا و الآخرة بيده هو بشكل حصري و لا أحد يحق له ان يقرر مكانه، فلا تثبطه التقاليد القديمة و العصرية و لا تحبطه الصعوبات الإقتصادية مثل البطالة، كل مشكلة في هذه الحياة قابلة للحل، فقط علينا أن نفعل إيماننا عوض أن ننهزم قبل أن نخوض المعركة.
أضافة تعليق