مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2016/10/26 16:43
مسيرة التميز
مسيرة التميز

لي عودة لسنوات الطفولة حيث ولد التمييز معي ..لم أعرف أنه هو التمييز بعينه و أنا أشارك الأطفال لعبهم و قد لزم الصمت كل حركاتي لكني انزوي لركن بريء جدا ان ما نشب خصام بين الاطفال لأبقى أراقب تلكم الحركات البريئة لأفهم أولا و بعدها أقرر  ما سأفعله ، و ان ما فهمت أن الأمر لا يستحق أغادر الشلة سريعا الى مكان آخر لأصنع فيه قصرا من رمل او أسقي شجرة أو أتابع صف النمل في جده لوحدي ،فتلك الوحدة علمتني التركيز و التفكير في أعقد المشكلات ، من هنا بدأ معي التمييز في سن مبكرة جدا ،حيث بدأت في التفاعل مع الطبيعة حينما يهزمني خصام البشر في طيش لا ينفع و لا يفيد...فأجد في التجاهل حلا راقيا جدا و أنسى أني مررت في تلك اللحظة على فوضى في الفكر أو السلوك..لأن برمجة نفسي لنفسي ان اعطي للثانية حقها جعل مني انسانا يتعب جدا لكنه يتذوق طعم النجاح بعد صبر طويل..هكذا سنة الحياة بل الكفاح..
سن الشباب كانت مفعمة بالجد و الدراسة و كان التحصيل لا ينزل من الثانية و ان ما عاقبوني على تفوقي تنحدر الرتبة الى أقل من الثانية و كان الأمر يبكيني لأن الظلم بدأ معي من هنا..في نظري هو ظلم و في نظر الأساتذة يجب أن يكون التفوق واحد و لا ضرورة للتميز ،لا علينا كنت أتجاوز الأمر لأني أفهم في سن مبكرة جدا دواعي ذاك التنزيل في الرتبة...فلا أفتح مجال النقاش بل مجال الجدل لأني دائما أنتقل الى الضفة الأخرى من الطبيعة للتأمل للنسيان و بالمرة لاكتشاف تفوق آخر هو كامن تحت صخرة ما أو وراء شجرة ما ..المهم أن فيه شيء جديد يستحق الاهتمام...هكذا هو نسق حياتي مع التميز و مع من يحاربه...
فأن تولد في مجتمع لا يفهم صفات التفوق فهي أعظم مشكلة على الاطلاق لأن الأمر يسبب عرقلة و انتكاسات كثيرة و متتالية و ما على صاحبها إلا الصبر أو الهجرة و السكن في مدينة النجباء عله يوفر السؤال و الحرب الغير مجديين ..
لا علينا كذلك هنا لأن العقول أحيانا تبدو قاصرة و رد الفعل يبدو مخطئا حينما لا ينصف عاقلا و نجيبا في آن واحد...
توالى التميز في أن يعيش في كنف حبي للخير و الاصلاح و قول الحق و لو أني سكنت فيه للأبد فلا أقبل عيشا إلا عيش الكرامة و لا أستلذ صراعا إلا  و قال الحق فيه كلمته..نعم من هنا بدأ درب السالكين و المتوجهين الى الله بعيدا عن المسالك السهلة و الميسرة و ما لمع منها ببريق التغليط.
تخصصت في المحاماة و لكني لم اعمل فيها لأن ميدانها لا يستهويني او ربما لا يقنعني تطبيقا و ليس نظريا  ، أما في القانون على طول دراستي كان يحدوني شك فيه لأنه لم يبلغ ذروة الانصاف للمظلوم ، لا أعرف السبب هل هو من كثرة ما تابعت قضايا الظلم أم أن بنود و مواد القوانين خالية من المرونة و الواقعية الحقيقية ليأخذ  كل مخطئ العقاب الذي يستحقه بحسب الفعل المخالف المرتكب منه ، أو ربما هو تميز الصرامة مني في وضع النقطة مكان الحرف المبرأ من الشكل و الرنة في قول لا للظلم مثلا...لا علينا و لكن لابد من الانتباه للتميز هنا حينما يخاصم و ينازع اختلال الموازين في كل شيء و ليس في القانون فقط ، فالقانون الأسمى بطبيعة الحال هو الشريعة الاسلامية و بعدها ما كان مستمدا منها أكيد سيكون قريبا للحق و للإنصاف و لتسجيد العدل بكل موازينه و بنوده...
نجحت في مسابقة الماجستير و حرمت منها عمدا تحت الكواليس فخاصمني التميز أن لا فائدة اذن من التميز ...فقلت لا علينا قدر الله و ما شاء  فعل و لكن خصام الظلم ظل يراودني في أحلامي اليائسة من طموحي في تلك اللحظة ...أو ليس الظلم ينتشر بسرعة البرق و الحلم أخف منه اقداما ؟..لا علينا كما قلت...لأني كررت المحاولة في بلد عريق بحضارة العلم و نلت التفوق بامتياز و تابعت المشوار و قلت الحمد لله الذي يقدر لنا ما لا نعرفه و ما لا ندركه ، أو لم يخلق الانسان ضعيفا و عجولا؟؟..لذلك أقول لا علينا فيد الله فوق أيديهم...
ثم كان لعملي في مجال الصحة شأن آخر و حياة أخرى مليئة بالمتاعب و التحديات ..لا علينا أيضا لأنه قدري في الدنيا أن أحتك بالمرضى و أدير ملفات عالقة بالمشاكل ، فكان طعم الحياة هنا مميزا جدا جدا لأنه لم يخلو في يوم من الأيام من المفاجآت التي دربتني أن أكون على أهبة من اليقظة و الانتباه لكل ما يدور حولي من حوارات الناس و صرخات المرضى و لقطات الخطر القريب
من الموت في حال المرض الشديد الذي آلم الكثير ممن رأيت فصرت أنظر للدنيا على أنها فعلا لا تساوي شيئا في لقطة ضعف صغيرة جدا فتختلط علي الأصوات و الآلام و المتناقضات من الأمور فأفر كعادتي الى بساط الطبيعة لأرتمي في أحضانها لأكتب ما ينسيني تلك المتاعب ، و ما يرفع معنوياتي هي صيحات المواليد الجدد التي تسقط على مسامعي لحن الأمل من أن الحياة رغم كل الآهات تستمر...و مع الكتابة شأن آخر بطعم الابداع المتعب هو الآخر لأنه يحتاج لخلو البال و استعداد نفسي لأن أكتب و أرحل عن واقعي بمسافة اللامبالاة حتى أصل الى أبعد نقط يتألق فيه الفكر و يصارح القلب العقل بما يختلجه من أحاسيس..
يبقى لكل واحد منا مسيرة عمر و رحلة عطاء يكتبها كيفما يشاء و يختصرها على النحو الذي يرضيه و الأهم من كل ما سبق هو أن نحقق الهدف المهم و هو مرضاة الله تعالى...و أن نساهم في الصلاح و الخير و البناء و ندرأ الشر و ندافع عن القيم و المبادئ و نجسد أحلامنا حقيقة بما يوافق ميولاتنا الفطرية و ما يصنع منا شعلة تلتهب نارها كلما انصهرت تألما بالآخرين المتعبين فوق الأرض و ما أكثرهم في أمتي...اللهم فرج همهم و اكشف ضرهم و ابدل أحزانهم فرحا و سرورا و سكينة يا رب.
 

 
 
 
 
 
 

أضافة تعليق