مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2016/10/26 15:53
ظننت في الزيزفون جمالا و عطاء

ظننت في الزيزفون جمالاً وعطاءً

 

دعْ لكلامي صدًى في مسامع الصبا، ثم دعْ لنظرتي بُعدًا بهيًّا لمنهجية التغيير، ثم اترك لفكري مجالاً للحرية دونما قيد، ثم دونما فواصل، ولم لا دونما نقاط للختام؟ لأني الآن فقط بدأتُ أتكلم، بل أكتب، وإن كانت كتابتي ستصبح كلامًا متداولاً في أجندات التغيير.

 

إن كان لكم سؤال فبادروا بالسؤال ولو عن مقدمتي، وإن شئتم عن عنواني، نعم، ظننت في الزيزفون جمالاً، لكني أخطأت في تخميني؛ لأن في قرارة وجداني اليقظِ يقظةَ الحذر، كحذر بومة في عز ليلها من نوم أعز وأقدر، أردت لكياني أن يكون مثلما قال حسن البنا - رحمه الله -: "كونوا للناس كالشَّجر، يرميه الناس بالحجَر فيرميهم بالثمر"، صدقًا أخطأتُ لَمَّا أردت إهداءَ من تنكَّر لي يومًا ثمارًا من صفاء؛ لأني قصدت من شجرة الزيزفون طلبًا، لكن شجرة الزيزفون لم تلبِّ طلبي؛ لأنها تُزهِر ولا تُثمِر، قد يكون هذا الخطأُ فيه حكمة ربانية في أن يظلَّ الإنسانُ الرباني المولع بحب إنسانية الإنسان كرداءٍ للرداءة، شبهها في ذلك مثل شجرة الزيزفون في وقت زاد الطلبُ على الأخذ، ومن ثم يكون لجزاءِ سنمَّار خاتمةٌ للأبطال الانتهازيين، من لا يعرفون للطيب من الكلام شكرًا على لسان الذِّكْر والحمد والشكر على نِعَمٍ لا تُحصيها أناملُ، وتحدّها عيون.

 

وبرؤية دقيقة لتفاصيل العطاء في كل زمان ومكان، قد يكون خطئي في شجرة الزيزفون خطأً محمودًا، في وقت أقلُّ ما أقول عنه: "يصبحُ الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا"، حتى في شريعة العقل والإيمان؛ لأن إيمان الصباح هو نفسه إيمانُ المساء مع اضطراب في وتيرة التقوى، شيء طبيعي راجع لضعف الإنسان، ولكن نظرًا لتضارب عقيدة الأصل مع أصل العقيدة؛ يصبح الأمر صعبًا للغاية، لا لشيءٍ إلا أننا نميز بين معادن الناس كتمييزنا للذَّهب والنحاس بعينٍ مجردة فقط.

 

فكَّرت مليًّا إن كان لشجرة الزيزفون بند في العطاء لأقرأَه في تمهُّل لأفهمَ سوسيولوجية العطاء، ثم فكرت إن كان لأزهارها حليةٌ في ارتداء الجمال وفقط، شعرًا متناثرًا كتناثر الأوراق في خريف صامت، لكني شعرت أنها الشجرةُ المُثْلى والوسطى في أن تحمل بين أغصانها فروعَ الجمال دون أن تُثقلَها بالثمار، فتنحني ويصبح من هبَّ ودب في قطفٍ مستمرٍّ دونما أدنى حمدٍ ولا شُكر.

 

إذًا جمال المؤمن المستقيم هو في تلك الاستقامة، وبشروحات قواميسَ ذكية في إعطائها حقَّها من التعريف وبحسابات دقيقةٍ ومستقيمة كذلك، ثم شتان بين الاستقامة والتماطل على خطى الشغب، وإلا أين هو ميزان الاعتدال في وصف صحيح لا يدعُ شكًّا للنقد الهدَّام؛ فالمستقيمُ في انتقاد مستمرٍّ، وكل مبادرة منه في إعراب العجم والعرب هي في انتقاد كذلك.

 

سأنتقل من ظني مع شجرة الزيزفون إلى طبائع أناس تمرَّدوا على الحمد والشكر لربِّ النعمة لكل ملذَّاتها، أين أنتم بها؟ هل لقطف ثمار الغير وإعطائها كنية غير صحيحة، أم أن مسارَكم طويل إلى أبعدَ من ذلك؟

 

من يدري ربما إلى امتداد إلى غاية أفول فجر آتٍ بمقاييس الأمل اللامعة، لكنها ليست لكم؛ لأنكم لم تتعبوا، لم تكدُّوا، ولم تعرقوا، ثم لم تتألموا!

 

مرة أخرى ظني كان مخطئًا، لكني على أهبة الاستعداد لتصحيح هذا الظن في أن شجرة الزيزفون فيها من الاعتدال الوسَطي ما يمكن أن يكون كذلك نموذجًا، بل قدوة للمؤمن الرِّسالي في أن يكونَ مثل الشجرة المزهرة دونما ثمار حتى لا يتعبَ ولا يمل؛ لأن من العطاء المتواصل استنزافًا لرُوحانية الجمال، صحيح جميل أن يزهرَ ويثمرَ في آنٍ واحد، ولكن نحن في زمن الاستنزاف والاستغلال.

 

عذرًا إن أخطأت في التخمين، لكن من العذر ما فيه استدراك لهفواتٍ كثيرة ولزلاَّتٍ ليست بالقاضية، لكنها مع الوقت تصبح كذلك.

 

فخير الأمور أوسطُها، وظني لن يكونَ في شجرة الزيزفون، إنما في ميزانِ الاعتدال في الجمال، ومن ثم في العطاء، من غير إسراف ولا بخل، مصداقًا لقوله - تعالى -: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ [الإسراء: 29، 30]، وظني في ذلك شيءٌ آخر مع أبي العتاهية:

يقاس المرءُ بالمرءٍ 
إذا ما هو ماشاه 
وللقلبِ على القلب 
دليلٌ حين يلقاهُ 
وللشكل على الشكل 
مقاييس وأشباهُ 
وفي العينِ غنًى للعين 
أن تنطق أفواهُ 

 

ومني أنا ومن صميم فؤادي، أنشدها لشجرة الزيزفون، ولكل مؤمن تقيٍّ تحيةً لتقواه ودفاعًا عنه بحبر المداد، وصدق الإحساس، ودويِّ الكلمة، بارودًا يصدح عاليًا على وقع الالتزام المعتدل.

 

لا تركنْ لهدوئي وطيبتي؛ لأنك لم تعرفْ بعدُ منوالَ عزيمتي!

 

و لا تفكِّرْ يومًا في احتقاري؛ لأني في منعِ عطائي كبريائي!

 

لبسته ثوبًا بطراز الأنفة؛ فإياك ثم إياك مِن إهانتي!

 

فشتان عندي بين خسارةٍ وربح هما في حد السيف قراري!

 



أضافة تعليق