مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2014/08/17 20:10
القدس وقضية السيادة
د. محمد عمارة | 17-02-2012 14:45

يدعى الصهاينة أن القدس يهودية لأنهم يصلون إليها، بينما مكة هى قبلة المسلمين فى الصلاة!.. ونحن نسأل: وماذا عن المسيحيين الذين يصلون ويحجون إلى القدس، التى عاش فيها المسيح – عليه السلام – بينما لم ترها عين موسى – عليه السلام؟!

كما نسأل: وماذا عن المسلمين الذين تقول عقيدتهم الدينية؛ إن القدس هى قبلتهم الأولى.. وهى مسرى رسولهم ومعراجه.. وهى الحرم الشريف المزامل لمكة والمدينة، والتى ربط القرآن بين مسجدها الأقصى والمسجد الحرام، وجعل هذا الرباط آية من آيات الله، التى تجسد وحدة الدين وتنوع الشرائع والرسالات فى إطار وحدة هذا الدين؟!

إننا فى قضية القدس لابد أن نميز بين قداستها الدينية المقررة فى الديانات السماوية الثلاث وبين السيادة على هذه المدينة، فالمدينة المقدسة لدى الجميع يجب أن تفتح أبوابها وأبواب مقدساتها أمام جميع أصحاب المقدسات.. أما السيادة على هذه المدينة فيجب أن تكون لأهل الدين الذى يعترف بالآخرين.. ويقدس كل مقدسات الآخرين.. ويحمى جميع المقدسات فى القدس الشريف.. والمسلمون – وحدهم – هم الذين يتميزون – عن الآخرين – بهذا الاعتراف والحماية والتقديس.. هم وحدهم الذين أعلن رسولهم – صلى الله عليه وسلم- وتعهد للآخرين المختلفين دينيا: لقد أعطيتهم عهد الله وميثاقه أن أحمى دينهم بما أحمى به نفسى وأهل الإسلام من ملتى.

وهذا التميز للموقف الإسلامى، الذى يجعل المسلمين وحدهم هم المؤتمنين على إشاعة قداسة القدس بين كل أصحاب هذه المقدسات، ليس مجرد فكر نظرى وإنما هو الواقع التاريخى لهذه المدينة المقدسة.

لقد احتكرها العبرانيون القدماء 415 سنة فى القرن العاشر قبل الميلاد.. واحتكرها البابليون ودمروا الوجود اليهودى فيها.. واحتكرها الرومان ودمروا الوجود اليهودى فيها.. فلما حررها الفتح الإسلامى فتح أبوابها أمام كل الطوائف النصرانية، وأعاد اليهود إليها من جديد.. فلما جاء الصليبيون احتكروها لأنفسهم ودمروا الوجود الإسلامى واليهودى فيها.. فلما حررها صلاح الدين الأيوبى فتح أبوابها أمام كل الطوائف النصرانية، وأعاد اليهود إليها من جديد.. فكان الواقع التاريخى شاهدًا على أن السلطة الإسلامية وحدها هى الضمان لإشاعة قداسة القدس أمام كل أصحاب المقدسات، ولمنع احتكارها من قبل طرف من الأطراف.. كما أن الواقع الراهن الذى يهود فيه الصهاينة القدس ويحتكرونها لأنفسهم شاهد جديد ومعاصر على هذا الذى نقول.

إن المسلمين من كل بلاد الدنيا يصلون إلى مكة المكرمة وإليها يحجون، لكن لا أحد من هؤلاء المسلمين – الموزعين على أقطار الأرض – يجعل صلاته إلى مكة مرهونة ومشروطة بالسيادة على مكة.. وكذلك الحال بالنسبة للقدس، يصلى إليها المسيحيون من كل بلاد الدنيا، دون أن تتطلب هذه الصلاة السيادة على القدس.. وكذلك الحال مع اليهود- الذين يبلغ تعدادهم فى العالم ثلاثة عشر مليونًا- لهم أن يصلوا إلى القدس.. ولقد ظلوا يفعلون ذلك لآلاف السنين دون أن تكون لهم السيادة عليها.. أما السيادة فهى لمن يعترف دينهم بمقدسات الآخرين، ولمن كانت سيادتهم على القدس الضمان لإشاعة قداستها بين كل الآخرين.
*المصريون
أضافة تعليق