مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2024/05/13 02:20
فلاسفة الغرب... ليس كل ما يلمع ذهباً (الموقف من المرأة نموذجاً)
في إطار الجدل الذي فرضه مايسمى مركز "تكوين" المشبوه في مصر، ومع أنني أؤكد أنه آنه الأوان ليقوم الفكر الإسلامي المعاصر بأدواره التجديدية غير التقليدية، وأن يسعى بكل إمكاناته ليشق طريقه في إطار النهضة  الأصيلة، المواكبة للعصر وتحدياته؛ مستفيداً من كل التجارب والخبرات، في ضوء فلسفته وثوابته الأصيلة؛ فإنه ينبغي التنبه ابتداء إلى أن كثيرا مما يسوّق لنا  عن الجانب  الجميل المشرق للفلسفة الغربية وأعلامها، جدير بأن  يذكِّرنا  بالمثل الإنجليزي الشهير " ليس كل ما يلمع ذهباً"،  إذ لو غصت في الجوانب الأخرى لتلك الفلسفة وأعلامها لوجدت قدراً مهولاً عند بعضهم من التلفيق والتزوير والشذوذ الفكري بل والأخلاقي، و شرعنة الاستعمار الحديث، والعنصرية الصهيونية خاصة (هنا فقط نموذج  الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس أبو العقلانية والحداثة  في الغرب اليوم وأبرز دعاة العقل التواصلي وداعية الحضارة الإنسانية، الذي يعده كثيرون أكبر رمز فلسفي غربي لايزال حيا، تراه  يقف مصطفاً  متطرفا مع الصهاينة حاليا في مجازرهم الأبشع  في غزة) .
  والوقوف مع فكرة التمييز العنصري، سواء للعرق الأوروبي أم للطبقات الداخلية، على نحو ما كان يتبناه  أفلاطون بالخصوص  في جمهوريته، ودعوني أشر إلى واحدة من أبرز القضايا حساسية ومتاجرة من الاتجاه الحداثي والليبرالي والنسوية المعاصرة،  وتنطلي على بعض دعاة التغيير والإصلاح، وهي مسألة المرأة  وكرامتها وحقوقها، فعلاوة على ما يعرفه الدارسون للفلسفة من النظرة الدونية الغارقة في إهانة المرأة وطبيعتها من قبل من يوصفون بالفلاسفة الإنسانيين العظماء  القدماء (سقراط وأفلاطون وأرسطو)؛ فإن بعض أبرز فلاسفة النهضة الأوروبية الحديثة  عبر كل حقبها، وأبرزهم فلاسفة التنوير تواصوا بالفكرة السيئة ذاتها بين مسرف متطرف وآخر يقتصر على الاحتقار والنظرة الدونية إليها،  بأشكال مختلفة، ولكنها جميعا قبيحة وسلبية، وتتعارض مع مايسوق لعبقريتهم وتنوّرهم ومغادرتهم لفكر الكنيسة المهين للمرأة، والواقف مع كل قضية إنسانية، ولعل من أشهر المتطرفين في هذه القضية الفيلسوفان الألمانيان الشهيران:   أرثر شوبنهاور وفريدريك نيتشه،  على أن غيرهما  ظلوا يحتقرونها بأقدار مختلفة، ومنهم إيمانويل كانط (فيلسوف العقل والأخلاق) الذي يعده البعض الفيلسوف المعاصر الأكبر بإطلاق، والفرنسي جان جاك روسو (صاحب نظرية العقد الاجتماعي في الاجتماع والسياسة والطفل إميل في التربية)، وكذا الإنجليزيان جون لوك وبرنارد شو وغيرهم .
ولأن المقام لا يتسع للتدليل على كل ما سبق، ويمكن مراجعته بسهولة في مظانه؛ فدعوني أقتبس  في هذه العجالة هذا النص التربوي لإيمانويل كانط (نقلاً عن إسلام كمال)،  حين كتب  كانط في التربية عن الأنوار فقال: "إن بلوغ الأنوار هو خروج الإنسان عن القصور الذي هو مسؤول عنه، والذي يعني عجزه عن استخدام عقله دون إرشاد الغير. وإن المرء نفسه مسؤول عن حالة القصور هذه عندما يكون السبب في ذلك ليس نقصًا في عقله، بل نقص في الحزم والشجاعة في استعماله دون إرشاد الغير. تجرّأ على أن تعرف. كن جريئاً على استعمال عقلك. ذلك شعار الأنوار… الكسل والجبن هما السببان في أن عددا كبيرا من الناس يُفضِّلون البقاء طوال حياتهم قُصَّرًا، بعد أن حرّرتهم الطبيعة منذ أمدٍ طويل من أي توجيه خارجيّ، وهما السببان أيضًا في أنه من السهل على الآخرين أن يُنصِّبوا أنفسهم أولياء عليهم"). 
"  هذا النص لكانط، ستعتقد فيه المرأة حينما تقرأه، أنه يخاطبها، ويمسُّ جزءا حسّاسًا، وربما عميقًا بداخلها، وذلك إن اعتَبَرت نفسها مشمولةً بمن يتحدث عنهم كانط، أي بكونها إنسانا يملكُ عقلا ويستطيع التفكير. حينها، سترى فيه نصَّا ثوريا يدعوها للخروج عن "الوصاية الفكرية" التي حَكَمتها طوال السنين، وأن تتجرَّأ على استخدام عقلها، تاركةً كَسل المواجهة ومتحلية بالشجاعة لرفض من نصّبوا أنفسهم أولياء عليها. غير أنها -المرأة- ستكتشف، أن كانط لم يشملها في خطابه ذاك، بل خاطَبَ الرجل وحده، باعتباره الوحيد الذي يملك عقلًا ويستطيع أن يفكر. وعند هذه النقطة أشارت الأستاذة إليزابيث كسّاب أن كانط "لم يكن يفكر بالنساء أصلًا، وبذلك هو لم يكن متناقضا مع ذاته على الرغم من أن الفكر التنويري سعى لتجاوز حدود وحواجز الواقع". وهذه الهفوة، قد تغدو غريبة للقارئ في فِكْر كانط، وهو الذي يدعو إلى تحرر العقل من سلطة السائد والإرث المجتمعي واللاهوتي في تقييم الأمور، ليَقَعَ هو نفسه تحت هذه السلطة، إذ لم يتحرّر بالفعل من سُلطةِ زمانه عند تطبيق فلسفته فيما يخص المرأة، حيث يرى أن المرأة لا تمتلك عقلًا يستطيع التفكير بالأساس. 
 
 
أضافة تعليق