مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2014/08/17 20:10
الولايات «المرتبكة» الأمريكية
رشاد الشرعبي
Rashadali8[email protected]
تبدو سياسة الولايات المتحدة الامريكية تجاه اليمن على مدى عام الثورة، مرتبكة باستمرار وغامضة ومتعارضة مع نفسها من خلال تصريحات سفيرها بصنعاء أو مسئوليها في البيت الأبيض والخارجية والبنتاجون، ولا نعلم هل تلك سياسة متعمدة ومخططة ومدروسة أم أنها انعكاس لارتباك إدارة الرئيس باراك أوباما.

وسأبدأ مما لمسته خلال زيارتي لها في إبريل 2011، ضمن برنامج الزائر الدولي التابع لوزارة خارجيتها، وكان موضوع مجموعتنا (8 صحفيين عرب) هو: السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وناقشنا مع مسئولين ومختصي ملفات مايسمى الشرق الأوسط هذه السياسة في ارتباكها وتناقضها وعدوانيتها أحياناً، خاصة أن الزيارة تزامنت مع نجاح ثورتي تونس ومصر واشتداد عود ثورتي اليمن وليبيا وانطلاق ثورة سوريا.

في وزارة الخارجية وغيرها واجهتهم بأسئلة تبين تناقض تصريحات مسئوليها وتصريحات وزير الدفاع والبيت الابيض بشأن ثورة اليمن المدهشة، حيث خرج شعب مسلح بصدور عارية، وارتباطه بما يدعونه من ترويج للديمقراطية ونشر وحماية حقوق الانسان، لكنهم سريعاً ماكانوا يضعون استثناءات لليمن وشعبها العظيم، حيث الفوضى والقاعدة و(الحليف الصالح) و(الشريك البائع نقداً) في مواجهة الإرهاب.

في وزارة الدفاع (البنتاجون)، كان المتحدثون الذين يتقنون العربية كشأن كثيرين ممن التقيناهم في الخارجية، يسردون أشكال التعاون العسكري بين بلادهم والبلاد العربية وفي مقدمتها التدريب والاستشارات للجيوش، وبعد أن قمعوا بأدب إدعاءاتي عن تناقض الوزارتين (الدفاع والخارجية) مع الموقف أن موقف الأخيرة كان خجولاً ولايرقى لمستوى الحدث اليمني، وجهت لهم سؤالاً عن التناقض الواضح بين أمريكا الديمقراطية وبلد الحرية والمؤسسات وطبيعة الوحدات والأجهزة العسكرية والأمنية والمخابراتية (اليمنية طبعاً) المحظية بدعم أمريكا بالمال والسلاح والخبرات والاستشارات.

كررت سؤالي الذي اعتذر ثلاثتهم عن الرد عليه بعد طلبهم اعادته، بمبرر عدم فهمه، كيف يستقيم ماأنتم فيه من ديمقراطية وحرية ومؤسسات مع دعمكم لأسرة وعائلة حاكمة في اليمن من خلال الوحدات والأجهزة العسكرية والأمنية التي يقودها – نجل الرئيس وأبناء شقيقه وأقاربه-؟، واختتمت: لقد ظللتم سنوات تدعمون الاستبداد والتوريث وتمليك أسرة لوطن وشعب ضاربة جذوره وحضارته في عمق التاريخ الإنساني.

كان خطاب الرئيس أوباما منتصف العام الذي أشار فيه لشباب صنعاء الخارجين بحثاً عن الحرية والعدالة مبشراً بحدوث تغيير -وإن كان أقل من المطلوب- في سياسة إدارته، لكن (عصيد) سفير واشنطن في صنعاء ظل (ولازال) عنواناً واضحاً ودليلاً دامغاً لتلك السياسة المرتبكة والمتناقضة، وآخرها تصريحاته المتعلقة بإعادة هيكلة الجيش وقبلها صكوك القتل التي منحها في مسيرة الحياة وبينهما الوقاحة الخاصة بقضية زميلنا عبدالإله حيدر شائع.

كنا نتمنى من الولايات المتحدة وإدارة أوباما أن تطلب الصفح والغفران من اليمنيين قبل الشروع في بناء علاقات ثنائية جيدة، وتكفر عن ذنوبها وذنوب من سبقها من إدارات جمهورية وديمقراطية في منح الرعاية والدعم والحماية لنظام جثم على صدر اليمن وشعبها ثلاثة عقود يعيث فيها فساداً وإستبداداً وفشلاً وفوضى وتفتيتاً.

غير أنها مستمرة في ارتباكها وتناقضها ولا تخجل من إبداء حرصها على اليمن ووحدتها وأمنها واستقرارها، والتشبث بأشخاص وأفراد أسرة واحدة أطاحت بنظامهم ثورة سلمية ومنحوا حصانة رغم جرائمهم، ليظلوا يقودوا (ويملكوا) وحدات عسكرية وأمنية، يفترض أنها جزء من مؤسسة وطنية مهنية، ولاؤها لليمن، ومهمتها حماية سيادته ومواطنيه.

لم يقف الأمر عند التسريبات الأمريكية المتكررة برغبة إدارتها ومسئوليها، خاصة الأمنيين والعسكريين، بالإبقاء على المسئولين عن وحدات وأجهزة لها علاقة ودُربت لأجل مكافحة الارهاب، واللامبالاة في رغبة شعب خرج بالملايين مطالباً باقتلاع ذات الاشخاص ومحاكمتهم في جرائم ضد الانسانية ارتكبوها في حق وطنهم وشعبهم وطال حتى جنود وضباط الحرس والامن الذين يقتلون في عمليات إرهابية ضمن سيناريو سيطرة القاعدة والفوضى الذي هدد به (كبيرهم الصالح) في إبريل الماضي.

بل إن إعادة الهيكلة بحسب آليات المبادرة الخليجية واسم جمعة اليمنيين الأخيرة، صارت عملية ستتم على مدى طويل وخلال سنوات بحسب سفير امريكا بصنعاء، وكأنه يقول بترك الفرصة لـ(العيال) يرتبوا أمورهم حتى سقوط اليمن كلها في حضن القاعدة مثلما فعل (مقولة) لإسقاط أبين ومن بعدها عدن، أو البقاء في مناصبهم حتى ثورة أخرى تخصص لاقتلاعهم على غرار هذه التي اقتلعت الأب.

يا أصدقاءنا الأمريكان ويا حبايبهم في أوروبا والخليج، لو سمحتم، كونوا واضحين معنا، وقولوا نريد أمناً واستقراراً لليمن والحفاظ على وحدته تحت (جناحي الصالح) أو أرجل (أنصار الشريعة)، ولا نريد لليمن أمناً ولا استقراراً ولا وحدةً، إذا كان تحت ظلال دولة مدنية ديمقراطية سقط لأجلها آلاف الشهداء والجرحى.
*المصدر
أضافة تعليق