مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2018/10/15 10:13
الزندقة الثقافية في المشهد العربي.. هكذا تسقط الأمم

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

مع تطور الفرد يتقدم المجتمع، وحين يتطور البشر في المجتمعات يرتقي الوعي الجمعي، ويصبح أكثر تماسكاً وتناغما، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى تشذيب المجتمع من الميول والسلوك السلبي. إذن هي حركة مجتمعية واعية متفاعلة مع ذاتها في الآخر، ومع الآخر في ذاتها، في حركة مستمرة لتراكم معرفي يحقق مزيداً من الوعي. هذا المسار المتواصل ما هو إلا مساهمة الفرد في صياغة المفاهيم المجتمعية، ودفع ركب التطور والتقدم. فإن كانت إرادة الفرد تأخذه نحو سلسلة متداخلة من الأسئلة، فإن عدم الحصول على الإجابات التي يريدها قد تقف عائقاً أمام تطوره، رغم أن الإنسان كان عبر التاريخ قادراً على إعادة صياغة القيمة الوسطية في أنماط تتناسب مع مستوى الوعي ودرجة الحرية المجتمعية.

السؤال الذي لا يغيب عن كتّابنا ونقّادنا ومفكرينا: لماذا فشل مشروعنا الإصلاحي، ولماذا لا نستطيع تحقيق تقدم وتطور اقتصادياً وحضارياً؟ من كثر ترديد هذا السؤال بتنا نشك في عقولنا. إنه السؤال المقلق لجميع العرب، في ضوء الارتباط الجدلي العميق بين تطور الفرد وبين توفير مناخات ثقافية تسهم في تطوير الملكات الفردية. إذ كلما ارتقى الفرد ازدهر المجتمع، وكلما انتعشت الثقافة تحرر العقل الفردي وتنامى الوعي الجمعي. ويظل للأسئلة بريقها المعرفي الذي لا يخفت.

 

أسئلة حرجة

في الأوقات الحرجة نطرح الأسئلة المربكة. قد يتساءل أحدنا، هل يزندق الأدباء والمثقفين؟ الإجابة هي نعم إن بعضهم يفعلون.

فإن كان العوز ذريعة تدفع الفقير والمحتاج إلى أن يتحول لساناً للحاكم وللسلطة السياسية أو الدينية، تراه ينفث في أذن الحاكم ما يريد سماعه، ويبرر تصرفات وأفعال ومواقف الحاكم ونظامه، فما هو دافع أولئك الذين يتبوؤون مناصباً، ويديرون تجارةً وأعمالاً، ويحملون شهادات جامعية عليا، ومثقفين معروفين، لأن يسلكوا درب النفاق والمكر إن لم تكن زندقة. فإن استثنينا بعض المثقفين الذين تستغلهم الأنظمة السياسية كأبواق لها يلمعون قبحها، فالنفاق والزندقة بين بقية المثقفين يكمنان في السعي نحو الحصول على منفعة، بسبب الحسد والغيرة أو بسبب الشعور بالنقص تجاه الآخر.

إن النفاق لا يشبه الكذب بل يعيش معه ويقتات منه، والزندقة لا تشبه النفاق بل تعيش معه وتتغذى منه بحبل سري.

إن النفاق بحد ذاته هو عرض مرضي وطفح جلدي لحالة من النقص متجذرة في الكينونة البشرية، يظهر ويختفي هذا العرض لارتباطه بمقدار الثقة والمستوى التعليمي والفكري والمعرفي والإبداعي، ولعدم قدرة مثقف على الوصول إلى مكانة أدبية أو علمية التي تمكن الآخرون من الوصول إليها. أحياناً تجد النفاق والزندقة عند مثقفين كباراً ومرموقين، لكن إحساس "الأنا" لديهم مرتفعة بصورة مرضية تجعلهم لا يرغبون في أن يصل أحداً غيرهم للمكانة ذاتها، خشية من المنافسة. وهو سلوك يعبر عن حالة نقصان كامنة.

إن النفاق والكذب والزندقة مكونات محمولة طبيعية قائمة وخامدة في اللاوعي البشري، قد تظل في حالة من السبات، وقد تستيقظ في لحظة مثل تنين ينفث سموم المكر والتدليس والمداهنة، إن ما شعر الإنسان أن لا درب آخر يسلكه للدفاع عن النقص الذي يستشعره، أو لتحقيق غاية ذاتية.

 

سيكولوجيا النفاق

إن شيوع النفاق والزندقة يرتبطان بالفلسفة السياسية التي يتبناها الحاكم وكيفية حكمه، ونوعية الأدوات التي يعتمدها نظام السلطة في إدارة شؤون البشر، والتحديات التي تواجهها السلطة السياسية. وفي الواقع العربي نجد ثلاثة نماذج من المثقفين، فئة المسالمين الذي ينظرون للسلطة على أنها مصدر أذية والابتعاد عنها أسلم، وفئة المعارضين الذين يقفون في وجه السلطة السياسية، وينتقدون أدائها ويكشفون عيوب القصور، ويطالبون بحقوقهم وحقوق العباد. أما الفئة الثالثة فهم الزناديق المنافقون الذين يظهرون للسلطة عكس ما يكتمون، ويدلسون طمعاً في سلطة أو مال أو جاه، أو تجنباً لأذية يتوقعون حدوثها من السلطة.

ومن المنافقين من يبالغ في التمجيد لدرجة تجعل من الزعيم الحاكم الديكتاتوري شخصية كاريزمية استثنائية، يجب على الناس طاعتها والقبول بها والتسليم بأقواله وأفعاله. ونجد أمثال هؤلاء الزنادقة في كل مكان على امتداد خارطة العالم العربي، ومفاصل الدول. تجدهم في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، يكونون رؤساء تحرير صحف، ومديرو تحرير فضائيات وإذاعات، كتّاب مقالات.

 كانت نتيجة انتشار سيكولوجيا النفاق في بعض الدول العربية ظهور مثقفون مدّاحون، ومعارضون، وأُجراء ثقافة، مما جعل معظمهم يسقطون في مصيدة الاغتراب عن ذواتهم وعن الثقافة وعن الوطن. فكانت مهمة المدّاحون تنميق وتحسين الوجه القبيح للسلطة، وتقديم تبريرات للناس بعبارات مفخمة عن التجاوزات والاعتداءات التي تقوم بها الأجهزة الأمنية بحق المواطنين. وأُجراء الثقافة تتسم علاقتهم بالسلطة بالحيادية واللون الرمادي، فهي مصدر رزق ومعيشة للبعض، وحالة شائكة مربكة للبعض الآخر. أما المثقفون المعارضون إما تقوقعوا على ذواتهم لدرجة الانتحار الإبداعي، أو تركوا الاوطان وهاجروا إلى بلاد أخرى.

 

المثقفون زنادقة العصر

الزندقة حسب التعريف الوارد في موسوعة الأديان هي "لفظ فارسي معرّب، وقد كانت تطلق في البداية على من يؤمن بالكتاب المقدس لدى الفرس "الزندافست"، ثم ما لبثت التسمية أن انتشرت منذ العصر العباسي الأول، وأطلقت على كل إنسان يتشكك في الدين، أو يجحد شيئاً مما ورد فيه، أو يتهاون في أداء عباداته أو يهزأ بها، أو يتجرأ على المعاصي والمنكرات ويعلن بها، أو يؤمن ببعض عقائد الكفر، ويسرف في العبث والمجون.

زنادقة هذا العصر يختلفون عن زنادقة العصور الإسلامية السالفة. فأولئك كانوا يكتمون "الديانة المانوية" ويظهرون الإسلام. أما زنادقة هذا العصر فإنهم يظهرون الإيمان بالديمقراطية والحريات الاساسية للبشر، وينادون بالحق في الاختلاف، لكنهم يكتمون ضيقاً من كل مخالف لأفكارهم، ويتحولون إلى اشد أعداء الحريات إن اقتربت من مصالحهم، ولديهم استعداد لوأد الديمقراطية إن تعارضت مع مفاهيمهم، يتشدقون بالدفاع عن حقوق الشعوب ومصالح الجماهير، لكن في حدود عدم تعارض هذه الشعارات مع مصالحهم الأنانية، لأنهم في لحظة واحدة ينقلبون ضد الجماهير وينحازون للطغاة.

لقد ورد في مؤلفات الصوفي أبو المواهب عبد الوهّاب بن أحمد بن علي الأنصاري" الذي ولد العام 1491 ميلادي في مصر، والمشهور بـالشعراني، تحذيراً شديداً للمظلومين من الوقوع في إثم الدعاء على الحاكم الظالم، ويبرر الشعراني تحذيره بأن الظلم الذي قد يقع على أحد إنما هو في واقع الحال يصدر عنه نفسه، وأن الحاكم الظالم إنما هو مسلط من الله بحسب أعمال البشر، فالحاكم الظالم هنا ما هو إلا سوط يتم جلد الناس به، وإن الذنب ليس طبعاً ذنب السوط، إنما الذنب والجرم يقع على من سقط في الإثم والخطيئة ووقع في المعصية، وبالتالي استحق عقاباً من رب العباد.

ومن مقولات الرجل الشهيرة- وقيل إنها مدسوسة عليه- أن العهود قد أخذت عليهم الدوران مع أهل زمانهم وينخدعون لهم، وأن نتلوّن لهم مثلما يتلونون لنا، وبذلك نأمر إخواننا أن يدوروا مع الزمان وأهله كيفما يدورون.

بعض المثقفين العرب يبدعون في الزندقة والنفاق، ويبدون كأنهم تلاميذ مخلصين لقواعد الشعراني، فهم يظهرون النفاق للحكام ما بقي الحاكم في سلطانه، فإن تم عزله أو مات فلا تعظيم له.

 

ازدواجية مرضية

لو صادفت مثقفاً شحاذاً أو أحداً متزلفاً وكذاباً من عامة الناس، فلن يثير هذا بك شيئاً، لأن أمثال هؤلاء موجودين في كل مكان وزمان. لكن ان ترى مثقفاً يستفيض في التنظير عن المبادئ والقيم والأخلاق، ويبهرك في حديثه حول الديمقراطية وجمالها، والحريات العامة وحسنها، ولا ينسى أن يذكرك بأهمية العقل والتفكير الحر الذي غايته هو الإنسان وتحسين ظروف حياته. ثم تتفاجأ أن تقرأ له في مطبوعة ما، من الكذب والنفاق والتدليس والخداع ما يجعل الأرض تحتك تمور، وتفكر في أن تقترح عليه أن يوقع أسفل ما كتبه باسم "عبد الله بن أبي بن سلول".

كيف نتعلم الحرية من مثقف لم يعرفها يوما، وعاش حياته عبداً لمصالحه وتطلعاته، وكيف نستلهم التمسك بالقيم والمثل، والثبات على الحق، من إنسان متأرجح لم يعهد يوماً الثبات على موقف.

في زمن "الأراجيل" انتشر النفاق والتدليس والمكر والزندقة بين الناس، والأخطر بين المثقفين، فبتنا نرى ونسمع بمناسبة أو بدونها علو صوت قصائد البلاط التي تستجدي رضى الزعيم الفذ، ومقالات التمجيد بالحكام، والمنشورات التي تبرز رجاحة عقول الحكام، وحصافة آراءهم، وحرصهم الذي لا يبيتون ليلهم بسببه على الرعية ومصالحها، وأكثر أحد يعلم أن كل هذا نفاق هم الحكام والزعماء أنفسهم.

إن هذه الظواهر المرضية، والتي ساهم الجميع في انتشارها، خاصة في الوسط الثقافي، حيث بات معظم المثقفين يظنون أن الممر الوحيد كي ينالون مبتغاهم- أياً كان- من السلاطين وسواهم، هو قصيدة غزل وتمجيد ومدح، وأن الحقوق لا يتم الحصول عليها إلا بالتملق والتلهوق، حتى أصبح هذا المنهج غير السوي من أدبيات الوظيفة والترقية، وقضاء الحاجات والتودد للمسؤولين، والتقرب من أصحاب الشأن، وصار العباد يبدعون ويتفننون في اتقان النفاق والزندقة والمخادعة، ويتنافسون في ميدانها.

إن شيوع هذه الظواهر في المجتمعات العربية تتسبب في انحدار القيم الأخلاقية، وتشويه المفاهيم المجتمعية، وتؤدي إلى خلط المعايير الإنسانية والفكرية بصورة يصعب معها انتشال البشر من هذا القاع. والخطير أن الناس تتعايش مع الزندقة ومخرجاتها ومفاعيلها برضى بليد، وصار المثقفين يعتبرون النفاق أمر بديهي، ومن ينكرها يخالف الإجماع.

 

زندقة احترازية

بعض المثقفين يزندق وينافق بهدف كسب المال أو المنصب أو الجاه، والبعض الآخر يلجأ لها بغية تشكيل رصيد تراكمي يستخدمه في أوقات الضيق المستقبلية. إن الزندقة والمداهنة رذيلة يمارسها المثقفون من كافة الاتجاهات والتيارات الفكرية والانتماءات الحزبية والولاءات السياسية. حيث يقدم بعض المثقفين الإسلاميين على هذا الدجل كي يطمئن الحاكم أن ليست لديه اية أطماع سياسية ولا طموحات في المنافسة، وأنه راض عن أداء السياسي وليس رافضاً لنظام الحكم، فقط حتى لا يقوم السياسي باعتقاله، أو التعرض له، وكأن حريته صدقة يستجديها من السلطان.

بعض المثقفين الليبراليين حالهم أقبح وفعلهم مذموم، حيث أنهم ينتقدون الفكر الإسلامي وينادون بالحرية الفكرية وحرية العقل، وإقصاء الوصاية اللاهوتية، ويدعون إلى التنوير والحداثة والديمقراطية، وبناء دولة المؤسسات، وحقوق المواطنة. لكنهم سياسياً وفي مواجهة الحاكم يصبحون عبيداً خاضعين، يفعلون ما يؤمرون، بل يقدمون على ما لم يطلب منهم، ويتنافسون في الزندقة والنفاق وإظهار الولاء للحاكم ونظامه السياسي، ولا يفوتون مناسبة إلا ويحضرون مع زيفهم ومكرهم وتملقهم، لأنهم عبيداً لا يعلمون عن الليبرالية شيئاً غير اسمها.

الكارثة حين يشتبك المثقف الليبرالي مع المثقف الإسلامي، يدّعي كل منهم أن السلطة السياسية تدعمه فيما يفعله، وأن الحاكم راض عنه، بل يصل الأمر أحياناً أن يقوم أحدهما الاستقواء بأجهزة السلطة على الآخر، وربما يدس له ويحاول توريطه عند الحاكم. الطامة الأكبر نراها في أن كلا الطرفين -المثقف الإسلامي والليبرالي- يساهمان بالاعتراك الفكري والمجتمعي والاقتصادي والثقافي مع بقية أفراد المجتمع، وقد يشتد هذا العراك، لكن يظل الجميع حريصاً على إبقائه ضمن الحراك الفكري والثقافي. ولكن ما أن يصل النقاش بثورة أو أخرى إلى منطقة الحاكم والسلطان، تسقط كافة المبادئ والقيم والمواقف التي كنا نعترك لأجلها منذ قليل، ويبدأ الطرفين بالنفاق والزندقة وإظهار الولاء.

إن المثقف الذي يمارس فعل التمجيد والزندقة والنفاق، أياً كان سواء ليبرالياً أو إسلامياً، يمينياً أم يسارياً، حداثياً أم محافظاً، هو جزء من منظومة الاستبداد، ولن يتمكن هكذا مثقفين من القيام ببناء مشروع ثقافي وفكري وإصلاحي نهضوي للأمة العربية. إن أمثال هؤلاء يعتبرون حالة مرضية وظاهرة تحتاج إلى علاج، لأنهم يخلقون بيئة مجتمعية ملوثة متناقضة مشوهة.

في معظم مجتمعاتنا العربية التي تحوّل فيها المواطن إلى تهمة متحركة، فهو إما إرهابي أو مأجور من السفارات الأجنبية، معارض سياسي أو عميل لدولة معادية، وصار المواطن العربي المسكين -بما فيهم المثقفين أنفسهم- متهمون في وطنيتهم وانتماءهم وولاءهم حتى يتمكنون من إثبات خلاف ذلك. ومن أجل دفع تهمة عدم الولاء وجد الناس الحل الناجع والأقل ثمناً هو الزندقة والنفاق والتدليس والكذب والإطراء.

في المؤسسات الحكومية، وفي المناسبات الوطنية- وما أكثرها- تتم تلاوة خطب الزعيم، وأشعار الوزير، ومقتبسات من كتاب القائد "كيف اكتشفنا زراعة الحمضيات" وعلى الجميع التصفيق، سواء فهموا أم لا. لا يمكن لمدير مؤسسة تعليمية أن يقيم نشاطاً مدرسياً دون المبالغة -حد الزندقة- في ذكر فضل الحاكم على الوطن، وعن ورعه وعلمه وزهده، حتى يخال لك أنه يتحدث عن شيخ الإسلام "مالك ابن أنس" أو الإمام "سفيان الثوري".

 

المثقف غير المزيف

هذا الراهن في العديد من الدول العربية يحتاج إلى نوع مختلف من مثقفي الزندقة، نحتاج إلى المثقف الأصيل والحقيقي والمنتج، مثقف مبصر وحر، يتحلى بالوعي والمسؤولية، ويمتلك أدوات تتناسب مع العصر، منفتح غير منغلق، صاحب فكر وموقف، مثقفاً شعبياً غير منعزل.

في واقع عربي اختلطت فيه كثير من المفاهيم وتشابكت، وظهر علينا الآلاف من الكتّاب والخبراء والمحللون وحملة الشهادات الأكاديمية العالية على شاشات التلفزة، يخرجون لنا من الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية، يقدمون أنفسهم على أنهم مثقفون. لكنهم في الواقع معظمهم مجرد ثرثارون يتقاضون أجراً من جهات تحرص على مطاردة المثقف الحقيقي. فالمثقف الأصلي ليس بالضرورة أن يحمل شهادات عليا، على سبيل الذكر لا الحصر فإن عباس محمود العقاد، وجبران خليل جبران وسواهم، لم ينالوا أي شهادة جامعية.

الأمة تحتاج إلى المثقف صاحب العقل المنفتح الجدلي، ومن يمتلك صفة استخدام عقله بشكل حر، المثقف غير المتشدد والمتعصب لأي رأي ولا لأية فكرة، المثقف المحاور، المتفهم، الذي يقبل وجود الراي الآخر، ليس لديه نظرة دونية لعامة الناس، لا يضيق صدره بالمخالفين، المثقف الذي لا يمدح ذاته ويتملق للحاكم. المثقف الذي يتعامل مع العلم والحقائق وليس مع الخزعبلات والأوهام، يحلل الأفكار وينتقدها ولا ينتقد قائلها. المثقف الذي يكشف عورات المجتمع بهدف سترها وتصحيحها، مثقف لا ينافق ولا يهادن ولا يكون انتهازياً ولا متسلقاً وصولياً، المثقف الذي يحارب الفساد ولا يحابيه. مثقف لا يفرض رأياً ولا فكراً على أحد. لا يقدم نفسه على أنه أستاذ التاريخ والفلسفة وعلم التشريح، ولا أن يكون واعظاً فجاً، وألا يكون أنانياً منغلقاً.

 

كيف السبيل

إن مواجهة النفاق ومكافحة الزندقة تقتضي بالضرورة تمزيق الأقنعة الفكرية والسياسية والاجتماعية والدينية التي يرتديها المتزندقين، وهذا يتطلب توفير أجواء من الحريات العامة، وحضّ البشر على الإفصاح بكل حرية عن أفكارهم وتحفيزهم على التعبير عن معتقداتهم وقناعاتهم، واحترام ما يقولون دون تدخل من أي طرف، ودون خشية من عقاب لاحق. والقضاء على الزندقة والنفاق لا يتم إلا في بناء دولة المواطنة الحقيقية، دولة المؤسسات التي تضمن الحقوق الرئيسية للناس بشكل عادل دون تمييز، وبناء وتعليم ثقافة الاختلاف واحترامها لدى الشعوب العربية ومن ضمنهم المثقفون. والنظر بجدية في المناهج والقوالب والأنماط التعليمية، بهدف ردم الفجوة الثقافية المجتمعية بين ما نفكر وما نقول ونفعل. ترى الأنظمة السياسية تعلم أبناءها على الصدق وعدم الكذب، وامتلاك الشجاعة والوضوح والابتعاد عن النفاق، ثم يعلقون لهم المشانق، ويزجونهم في السجون إن فعلوا ما تعلموا.

هذا حال بعض المجتمعات العربية غير السوية، مجتمعات غريبة مريبة، يسيطر عليها الكذب والخداع والنفاق، وينتشر الذين يوظفون الدين والتاريخ ومقدرات البلاد لخدمة وحماية مصالحهم الشخصية.

نحتاج إلى مناخات ثقافية وسياسية يتنفس فيها الفكر حريته ويعبر عن نفسه دون خوف أو رهبة، لنرى مثقفاً حقيقياً ناضجاً ونزيهاً وواعياً وواثقاً من ذاته ومعتقداته، قادراً على المساهمة بفعالية في إحداث تغيير جدي في هذا الواقع المشوه.

زنادقة العصر أخطر على الأمة العربية من زنادقة العصور السالفة على الخلافة الإسلامية. حيث الأقدمون لم يكن لهم أية سلطة في الدولة الإسلامية، وتأثيرهم على الناس كان لا يذكر. في حين أن الزنادقة الحاليين الذين يظهرون الوطنية والعروبة، ويجاهرون بقيم الحرية والعدالة والديمقراطية والتنوير، ويكتمون فكراَ رجعياً وثقافة منغلقة، ونفساً مريضة مثقلة بالأنانية والحسد، متجردة من الأخلاق، لا يتورعون عن فعل أي شيء في سبيل الحصول على مبتغاهم وتحقيق مصالحهم، ينتشرون كالفطر الفاسد السام في كثير من مفاصل الحياة، وتأثيرهم على المجتمع والبلاد والعباد غاية في الخطورة.

 

افعلوا شيئاً

كل مثقف في الأمتين العربية والإسلامية يقبل بوجود إسرائيل على أرض فلسطين، هو زنديق مهما كانت صفته وثقافته.

كل مثقف ليبرالي أو إسلامي كان يدعو إلى الليبرالية التحررية ووقف مع الطغاة والأنظمة الديكتاتورية هو زنديق بامتياز.

كل مثقف يتعامل بخطابه مع التحديات المصيرية للأمة العربية بانتهازية وانهزامية وأنانية، وتفضيل المصلحة الشخصية، وإيثار السلامة، واللجوء إلى المربع الآمن، ودعوى الحيادية، أو استخدام الجمل المائعة، هو زنديق.

كل مثقف يقوم بمداهنة الظلم والقهر والاستبداد والقتل والقمع وتكميم الأفواه، وتعليق المشانق للمخالفين بحجة الحفاظ على الأوطان، ومواجهة المؤامرات الخارجية، هو زنديق.

كل مثقف متقلّب متردد في الثوابت الوطنية والأخلاقية، وكل من يقوم بإيقاد نار حروب إعلامية وسياسية في غير الميادين التي تخدم أهداف الأمة العربية، المثقف الذي يحرض على خوض حروب بالوكالة، ويقوم بإقصاء شركاء له في النضال، هو زنديق.

كل مثقف يقوم بتحويل العمل المؤسسي الثقافي والمكانة الاجتماعية، والوظيفة العمومية إلى مشروع تجاري لجني الأرباح، وتسويق البضاعة الكاسدة، ويضع نفسه في مواجهة تنافسية غير متكافئة مع المبدعين الشباب، هو زنديق.

نحتاج أن نفعل شيئاً لنعيد الأشياء إلى فطرتها، لوقف سيل التزلف والتملق والنفاق والزندقة، والخروج من حالة الازدواجية "شيزوفرينيا" المواقف والخطابات، ومواجهة حالة الفصام الفكري والاجتماعي والسياسي الشائعة في المنطقة العربية.

 لا تبنى الأوطان بالكذب والنفاق والخديعة وإظهار غير ما نكتم. الزندقة كفعل فكري ثقافي اجتماعي تدمر المجتمعات وتنحدر بها إلى قاع السقوط. ولا يمكن لمثقف منافق، أو عالم زنديق، أو مفكر مهادن، أن يساهموا في نهضة الأمة العربية ورسم ملامح مشروعها الإصلاحي، لأنهم هم أنفسهم مكون تالف يحتاج إصلاح وترميم. المضحك المبكي في هذه المهزلة الفاجعة إن كشف الزنادقة المعاصرين ليس أمراً شاقاً، إنما الصعوبة نكمن في إحصاءهم.

أضافة تعليق