مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2014/08/17 20:10
عودة أربكان إلى المشهد السياسي
أعلن رئيس الوزراء الأسبق وزعيم حركة ’’مللي غوروش’’، نجم الديم أربكان الجمعة في المؤتمر الصحفي الذي عقده بالعاصمة التركية، عودته إلى المشهد السياسي، بعد غياب دام 11 عاما.

وقد غُيب أربكان بعد إغلاق حزب الرفاه، الذي كان يرأسه في عام 1998م، من قبل المحكمة الدستورية، وانتهى إبعاده بعد خمس سنوات عجاف، وكان الرجل يتشوق بشغف إلى ممارسة العمل السياسي بشكل فعال، ولكن محكوميته بتهمة التزوير في الأوراق الرسمية في قضية ما يعرف بـ’’التريليون المفقود’’، حالت هذه المرة دون عودته إلى الظهور في المعترك السياسي. وكان خروجه من الساحة السياسية بقرار المحكمة الدستورية، وها هو اليوم يعود إليها مرة أخرى بقرار محكمة أخرى، يقضي برفع الحظر عن ممارسته للعمل السياسي.

أربكان البالغ من العمر 83 عاما، من الطراز الذي لا يفارق الكرسي إلا بمفارقة الحياة، ولا يرحل من الحياة السياسية إلا بالرحيل من دار الفناء إلى دار الخلد والبقاء. وهو بهذه الصفة يشبه معظم زعماء الدول العربية من الرؤساء والملوك والأمراء، وما يعزز هذا التشابه، رغبة ’’التوريث’’ لدى أربكان الأب، حيث رأينا أربكان الابن، وهو عضو في اللجنة المركزية لحزب السعادة مع شقيقته، يقف بجوار والده في المؤتمر الصحفي، وكانت تلك ’’لحظة تاريخية’’، بينما غاب عنها رئيس حزب السعادة، نعمان كورتولموش نفسه، بسبب عدم توجيه الدعوة له ـ حسب رواية وسائل الإعلام التركية ـ لحضور المؤتمر. وردا على سؤال حول التوريث، قال أربكان إنه ’’يريد لابنه ما يريده لنفسه’’، في إشارة واضحة لرغبته في التوريث.

في الحقيقة، أربكان الذي تولى الجمعة رئاسة اللجنة الاستشارية العليا، كخطوة أولى، وأعطى إشارة استعداده لاستعادة كرسي رئاسة الحزب، لم يترك زمام الإدارة في حزب السعادة حتى في أيام غيبته، وكان يديره من وراء الستار. وعودته إلى المشهد السياسي ما هي إلا ظهور على حلبة المسرح من جديد.

بقرار عودته إلى المعترك السياسي، أساء أربكان أولا إلى رئيس حزب السعادة الشاب نعمان كورتولموش، حيث لا معنى لجلوسه على كرسي رئاسة الحزب بعد عودة أربكان إلى العمل السياسي الفعال، وأساء ثانيا إلى الأوساط الشبابية التي طالبت بإلحاح بالتغيير في قيادة الحزب والأسلوب المتبع في المعارضة، ضاربا كل الأصوات الداعية إلى بقاء أربكان في بيته كزعيم روحي وفتح الطريق أمام الشباب، عرض الحائط.

يرد أربكان على من يُذَكِّره بكبر سنه، قائلا إن أبا أيوب الأنصاري خرج للقتال في سبيل الله في محاولة الجيش الإسلامي لفتح القسطنطينية، وهو في الثمانينات من عمره، وها هو أربكان يخرج للعراك السياسي ’’في سبيل الله’’ لينقذ البشرية من الظلم والعدوان، على حد تعبيره.

بقرار عودته، أحرج أربكان رئيس الجمهورية التركي عبد الله غول، الذي رفع الإقامة الجبرية عن أربكان، بسبب تدهور حالته الصحية. وبعد ظهور أربكان أمام العدسات بكامل حيويته ،ليعلن أنه عاد إلى المعترك السياسي، وأنه يسافر اليوم التالي إلى طهران في أول زيارته، بدأت الصحف التركية تطرح تساؤلات حول حقيقة تدهور صحة أربكان.

غادر أربكان السبت تركيا باتجاه العاصمة الإيرانية في زيارة، تستغرق أسبوعا كاملا يلتقي خلالها المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد والرئيس السابق هاشمي رفسنجاني وعيرهم من المسؤولين. وأول زيارة أربكان الرسمية بعد توليه رئاسة الوزراء في الحكومة الائتلافية في عام 1995م، كانت أيضا إلى إيران.

وقبل مغادرته، عقد مؤتمرا صحفيا مع رفاقه الشيوخ، شرح فيه أنه كيف سيشكل مع إيران تحالفا في حال تولى رئاسة الوزراء، ومن ثم تتبع الدول الإسلامية الأخرى هذا التحالف، وحسب رؤية أربكان ورغبته، ستقود تركيا العظمى هذا التحالف في محاربة الإمبريالية الصهيونية.

وقال أربكان إنه تلقى دعوة من خامنئي وأحمدي نجاد، إلا أن وكالة مهر الإيرانية ذكرت أن أربكان سيزور إيران تلبية لدعوة حزب الله الإيراني، وأنه طلب عقد لقاءات مع بعض المسؤولين الإيرانيين، وأنهم يدرسون طلبه.

فحزب الله الإيراني الذي هبّ أربكان لتلبية دعوته، يرأسه رجل الدين المتشدد، آية الله سيد محمد باقر خرازي، الذي أكد أن حزبه ’’تواق إلى التحول إلى تنظيم عملاق يكون في خدمة النظام والقيادة’’، مضيفا أن مهمة هذا التنظيم تتلخص في ’’صيانة مستقبل النظام والحكم في إيران على أساس النموذج الديني’’، والسعي لـ’’انتشار الثورة في كافة أنحاء العالم’’. وهو القائل: ’’ما الفرق بين فلسطين وإسرائيل إن لم تسر في طريق أهل البيت؟’’ فلا أدري، هل يعرف أربكان كل ذلك أو لا؟

كان أربكان يبالغ دوما في أطروحاته، ويرسم خططا مستقبلية براقة ولكنها بعيدة كل البعد عن الواقعية وغير قابلة للتطبيق، ينبهر بها المستسلمون له، كالميت بين يدي الغسال، وها هو اليوم يسبح في عالم الخيال، متجاهلا الواقع والتنافس الإقليمي بين إيران وتركيا. أما طهران المنزعجة من تصاعد الدور التركي في المنطقة بقيادة غول وأردوغان، فستفرح بأربكان، ومحاولته لإضعاف حكومة أردوغان، التي تدرك أبعاد الدور الإيراني.

لم يكن خافيا على المتابع لأنشطة جماعة أربكان عن كثب، تحالفها في الآونة الأخيرة مع فعاليات التبشير الشيعي، حيث فتحت لهم أبوابها على مصراعيها ليلقوا المحاضرات أمام شبابها ويكتبوا في مجلاتها.

ويرى محللون أن اختراق جماعة ’’مللي غوروش’’، التي يتزعمها أربكان خيار إستراتيجي للعاملين لصالح إيران، باعتبارها من أكبر الجماعات الإسلامية في تركيا، وأرضا خصبة تصلح للاستثمار والتوظيف، خاصة في ظل تراجع اهتمام القيادة بمؤسسات وجمعيات الجماعة، بعد هزيمتها أمام حزب العدالة والتنمية. وبالتالي هناك مخاوف من ارتماء شباب حزب السعادة في أحضان التشيع السياسي إن لم يكن العقائدي، نظرا لغياب الوعي لدى الجيل الناشئ بحقيقة الشيعة.

ولا يهم العاملون لصالح إيران من يتولى رئاسة حزب السعادة وفوزه أو خسارته في الانتخابات، وإنما يهمهم أن يحشدوا الجماهير لدعم إيران. ونتيجة لعمل هؤلاء الدؤوب منذ قيام الثورة الخمينية، وشيطنة الأنظمة العربية، فإن الجماهير الإسلامية في تركيا، بما فيها شباب جماعة أربكان، ستقف بلا شك في أي مواجهة عربية ـ إيرانية، على أي صعيد كانت، بجوار إيران.

لا شك أن هجمات أربكان في هذه المرحلة أمر مطلوب للقوى الانقلابية المعادية لحكومة أردوغان، وهم يحتاجون إلى أي مساعدة يمكن أن تسهم في إضعاف شعبية أردوغان ولو بنسبة واحد بالمائة، ويدركون تماما أن حزب السعادة هو الأقدر على خطف شعبية الحزب الحاكم، فنتائج الانتخابات المحلية خير دليل على ذلك، حيث رفع حزب السعادة شعبيته من 2.34 بالمائة إلى 5.2 بالمائة، بينما تراجعت شعبية حزب العدالة والتنمية من 46.58 بالمائة إلى 38.8 بالمائة. ويمكن أن نجزم بأن أغلبية الأصوات التي رفعت شعبية حزب السعادة هي الأصوات التي مُنحت لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات السابقة.

وكان أربكان قد بنى لنفسه خلال السنوات الطويلة التي قاد فيها الإسلاميين في المعراك السياسية، سمعة طيبة في الأوساط الإسلامية، إلا أنه شرع في هدمها، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، وذلك بعد خروج أردوغان ورفاقه من تحت عباءته وتأسيسهم حزبا ناجحا؛ ولم يتقبل أربكان ورفاقه الشيوخ تفوق حزب العدالة والتنمية على حزب السعادة، ولم يعترفوا ـ رغم اعتراف العالم بأكمله ـ بنجاح حكومة أردوغان الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية.

ولكن السؤال المطروح الآن، هو: هل تؤدي عودة أربكان للمعترك السياسي إلى تراجع أكثر في شعبية أردوغان وحزبه؟، يقول فريق من المحللين إن عودة أربكان ستعطي دفعا لحزب السعادة الذي رفع شعبيته في الانتخابات الأخيرة، وتعمق تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية، بينما يرى آخرون ـ وأميل إلى رأيهم ـ أن عودة أربكان لن تؤثر على حزب العدالة والتنمية سلبيا ما لم يتراجع أداء الحزب الحاكم، لسبب بسيط، وهو أن الشارع التركي بدأ يمل من تصريحات أربكات النارية، التي يتهم فيها مرة حكومة أردوغان بالعمالة لأمريكا، ويصف مرة أردوغان وغول بأطفال يفتقرون إلى الخبرة، بالإضافة إلى كم هائل من الكلام الذي سمعوه منه ألف مرة.

ويرون أن تصريحات أربكان ستُنَفِّرُ الناخبين من حزب السعادة، وأن خروج الزعيم الشاب نعمان كورتولموش من المعادلة، سيسهل مهمة الحزب الحاكم في كسب عموم الناخبين، الذين لا يريدون أن يروا حتى وجوه أحد من الزعماء السياسيين من جيل أربكان.
.لحينيات
أضافة تعليق