مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2016/12/11 05:01
الإصلاح السياسي ينبغي أن يقدم على الإصلاح الديني، لأن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
فهمي هويدي
(1)

المنطوق أعلاه أوردته في مداخلة تعقيبية طلبت مني على أوراق ومناقشات ندوة «إصلاح المجال الديني» التي عقدت بتونس يومي 28 و29 تشرين الثاني. وكانت الندوة التي دعا إليها «مركز دراسات الوحدة العربية» ببيروت بالتعاون مع «المعهد السويدي بالإسكندرية» قد عالجت موضوع الإصلاح الديني من مختلف جوانبه. وتم ذلك من خلال مجموعة من الأوراق اشترك في مناقشتها نحو 25 باحثا من مختلف الأقطار العربية. وكما هو الحاصل في مصر، وفي أقطار عربية أخرى، فإن الذين تصدوا للموضوع كانوا خليطا من الناقدين والناقمين والكارهين والمتعاطفين والمستقلين. وهي التنويعات التي عبَّرت عن تيارات المجتمع وأطيافه في العالم العربي. ولا أعرف إلى أي مدى تأثرت فكرة عقد الندوة بما تردد في الفضاء المصري خلال السنتين الأخيرتين بخصوص الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني أو الحاجة إلى ما سمى بـ «الثورة الدينية»، إلا أن الذي أعرفه أن أغلب الآراء التي ذكرت أوردتها وسائل الإعلام المحلية، وإن كان حظ الخصوم والكارهين في الحالة المصرية أوفر منه في حالة الندوة المذكورة. ذلك أن الصراع الحاصل في مصر بين السلطة و «الإخوان» فتح شهية كثيرين للخوض في الموضوع، خصوصا من جانب المخالفين ممن كانت لهم حساباتهم الخاصة وصراعهم الأيديولوجي، وهو ما دعا نفرا من الغيورين إلى ملاحظة أن بعض ما جرى الترويج له بدعوى تجديد الدين استهدف في حقيقة الأمر إضعافه وتبديده.

يذكر في هذا الصدد أنه في ندوة تونس كان شبح «القاعدة» و «داعش» مخيما على خلفية أغلب المناقشات والأوراق، وهو ما دفعني إلى القول بأن حديث البعض في الموضوع أعطى انطباعا بأن التاريخ الإسلامي بدأ بـ «القاعدة» و «داعش»، الأمر الذي يعني أن الإسلام بات هو المشكلة. وهي الفكرة ذاتها التي يرددها غلاة اليمينيين هذه الأيام في ظل الإدارة الأميركية الجديدة وفي بعض الأحزاب اليمينية الأوروبية.

(2)

ما سبق لم يكن جوهر ملاحظتي، لأن تحفظي الأساسي تمثل في الانطلاق من التركيز على الإصلاح الديني وتجاهل المشكلة الأكبر والأكثر إلحاحا التي تتمثل في الحاجة إلى الإصلاح السياسي. لذلك قلت في التعقيب إن لدي مشكلة مع موضوع الندوة وليس مع محاورها وعناوينها الفرعية. وحين سجلت هذه النقطة كانت في ذهني ثلاثة أمور هي:

ـ إن الإصلاح الديني مهم ولا غنى عنه، ولكن الإصلاح السياسي أهم، ذلك أن الإصلاح الأخير يفترض أن يوفر أجواء الحرية والتسامح في المجتمع، الأمر الذي من شأنه إشاعة حيوية تنعش الحوار الحر والتفاعل الخلاق بين الأفكار، وهو ما يحرك ركود حركة الاجتهاد والتجديد.

ـ إن الإصلاح الديني شأن يهم المتدينين والمؤمنين بالدرجة الأولى، أما الإصلاح السياسي فهو مما يهم الجميع، وبالتالي فإن خيره يعم جميع المواطنين باختلاف معتقداتهم.

ـ إن الاستبداد بمختلف تجلياته كان أحد أهم المصادر التي فرضت العنف المستند إلى المرجعية الدينية. ذلك أن انسداد قنوات التعبير السلمي دفعت بعضا من النشطاء المتحمسين إلى محاولة التغيير باستخدام العنف. كما أن القمع والتعذيب اللذين يمارسان ضد النشطاء في السجون كانا عنصرا مهما في شحن أعداد منهم بمشاعر النقمة والكراهية. وكان ذلك وراء انخراطهم في الجماعات الإرهابية، وهو ما يسوّغ لي أن أقول إن إرهاب السلطة كان عنصرا فاعلا في إرهاب الجماعات.

(3)

هذا التمييز بين الإصلاح الديني والسياسي لم يخطر على بال فقهاء الأصول، الذين اعتبروا أن إصلاح السياسة من مقتضى التدين الصحيح، وأن غاية الرسالة هي إقامة العدل بين الناس، بشقيه السياسي والاجتماعي. وهو ما صرح به النص القرآني: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط...» إلى آخر الآية 25 من «سورة الحديد». وفي موضع آخر اختزلت الرسالة في عبارة «إن الله يأمر بالعدل» (الآية 90 من «سورة النحل»). كما اختزلت في توجيه للمؤمنين يقول: «اعدلوا هو أقرب للتقوى» (المائدة 80)، وثمة توجيه آخر يحث بني الإسلام على القول: «وأمرت لأعدل بينكم» («الشورى» ــ 25)، إلى آخر الآيات والإشارات المماثلة التي يحفل بها مرجع العقيدة الأول.

هذه الخلفية دعت ابن قيم الجوزية إلى القول في مؤلفه «إعلام الموقعين» بأن: «الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل».

كلام ابن قيم الجوزية ليس اجتهادا خاصا ولا استثناء، لكنه يعبر عن تيار عريض في الثقافة الإسلامية كاد ينساه كثيرون بعدما احتلت أخبار «داعش» والإرهاب الأولوية في وسائل الإعلام وصار الصراع ضد الإرهاب هو الموضوع الأثير لدى أهل السياسة وكثيرين من أهل الرأي، وسارت المؤسسات الدينية في الركب، بحيث ما عادت تبشر بالاعتدال وتدافع عنه، ولكنها نسيت كل شيء ولم تتذكر سوى خوض المعركة ضد التطرف والإرهاب. ومن ثم صار خطابها معبرا عن توجهات أهل السياسة، وليس عن جوهر الرسالة الإلهية ومراميها.

(4)

حين قال الشيخ يوسف القرضاوي إن الديموقراطية مقدمة على الشريعة، فقد كان يستخدم لغة زماننا، برغم إدراكه أن الشريعة عدل كلها كما قال ابن قيم الجوزية، وأن الحرية هي الوجه الآخر للتوحيد. وهو ما فهمه التيار الرشيد في الفكر الإسلامي، الذي كان المعتزلة رمزا له وعُرفوا بأنهم أهل العدل والتوحيد. ومقولة العلامة القرضاوي تتناغم مع ما جاء في الأثر عن أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ذلك أن السلطان هو من يقيم العدل في حين أن القرآن يدعو إليه. وفي التجربة التونسية الحديثة موقف جدير بالتنويه في هذا السياق، ذلك أنه حين حدث خلاف حول النص على مرجعية الشريعة في الدستور الجديد، فإن حركة «النهضة» وافقت على استبعاد ذلك النص، وبرّر ذلك الشيخ راشد الغنوشي رئيس الحركة بقوله إنه في الحالة التونسية فإن الشريعة تفرقنا والتوافق الوطني يجمعنا، ولذلك كان انحيازنا إلى التوافق.

العقل الأصولي الذي تبنى هذه الرؤية ذهب إلى أبعد، حين فضل الكافر العادل على المسلم الجائر، وهو ما عبر عنه ابن تيمية في مؤلفه عن السياسة الشرعية. وتم تبرير ذلك باعتبار أن «المسلم الجائر إسلامه له وجوره علينا، أما الكافر العادل فكفره عليه وعدله لنا».

إذا قال قائل بأن ثمة فتاوى أخرى تناقض ما ذكرت، فليس لدي اعتراض عليه، لأن ذلك يؤيد ثراء الفقه وتعددية الآراء فيه. كما يعني في الوقت ذاته أن ما تقول به «داعش» أو ما يتداوله الغلاة باختلاف جماعاتهم ليس كلمة الله ولا رأي الدين، ولكنه مجرد تأويل تم انتقاؤه في ظروف معينة ونسب إلى الإسلام. وهو ما لا يختلف كثيرا عن محاكم التفتيش التي أقامتها الكنيسة الكاثوليكية لإبادة مسلمي الأندلس في القرن الخامس عشر، ونسبت جرائمها إلى المسيحية.

حين نقل عن ابن تيمية قوله إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، فإن المقولة تحسم المسألة وتؤيد إعطاء الأولوية للإصلاح السياسي الذي يقيم العدل ويدافع عن قيم الحرية والمساواة والتعددية واحترام حقوق الإنسان، الأمر الذي يعني أن الجدل المثار في الوقت الراهن حول أولوية تجديد الخطاب أو الإصلاح الديني ليس سوى مضيعة للوقت تستجيب لمتطلبات الاستهلاك السياسي، الذي استهدف صرف الانتباه عن الإصلاح السياسي المنشود؛ إذ به وحده يسود العدل، الذي هو مصدر الشرعية وأساس الملك.

أضافة تعليق