مركز الوفـــاق الإنمائي للدراسات والبحوث والتدريب

2017/04/02 05:35
نحو آليات ذكية في مواجهة الإرهاب

محمد الجواذي
يتعجب الكثيرون من المبالغات التي فرضتها توجهات الأميركيين فيما يتصل بسياسات التأمين والتحوط
 
والاشتباه بعد حادث 11 سبتمبر/أيلول، وخاصة أن هذه الإجراءات والبروتوكولات أصبحت تثير الانطباع المتجدد بأنها تترك نهر الاحتمالات الخطرة والكامنة واسعا وتركز غاية التركيز على جدول صغير من نهر الاحتمالات.


ولا يقف الأمر عند هذا التركيز المكاني غير المتناسق لكنه يمتد ليضفي على معظم سياسات التأمين -إن لم يكن كلها -ملمحا انفعاليا بدلا من أن يصبغها بما يعطيها طابعا استشرافيا واستباقيا حقيقيا وليس إجراء تحفظيا.

يكاد الباحث المتأمل الذي تعامل تعاملا مباشرا مع المرض (في نفسه أو في المقربين إليه) يلحظ أن السياسة الأميركية تكاد تقصر تفكيرها وآلياتها على المجابهة المستمرة والدؤوبة للاحتمالات المتوقعة هنا وهناك باعتبار هذه الاحتمالات ظواهر مرضية وبالحرص على إنكار أن بعضها ظواهر فسيولوجية.

والأمر في هذا شبيه بأبوين من ذوي التعليم القاصر والخبرة المحدودة يظنان أن من واجبهما أن يوقفا زيادة طول ابنهما وهو في السادسة عشرة لأنه أصبح أطول من شقيقه الذي يكبره بست سنوات!! لأن هذا يتعارض في رأيهما أو في إدراكهما مع المنطق الذي يؤمنان به، ومع خشيتهما من أن يصبح الأصغر متشجعا على هزيمة الأكبر (أو التجني عليه) بكل ما تحمله هذه الهزيمة من اضطراب في موازيين القوى.
 

"أصبحت أميركا بمؤسساتها العقلية والسياسية الآن في حاجة ماسة إلى إعادة صياغة جادة وجديدة لمقاربات التنبؤ الإستراتيجي والسياسي المستندة إلى تجليات حديثة في علوم النفس والاجتماع، ومدى ما يمكن لهذه التجليات أن تسهم به في إعادة صياغة الأسس الحاكمة للعلاقات والسياسات الدولية"

في مقابل هذا الهلع الأميركي الذي تعبر عنه بصدق واقتدار نبرات أصوات مذيعات الفضائيات الأميركية في تعاملهن مع كل مادة إخبارية آناء الليل وأطراف النهار؛ فإن الفلاح الأميركي يبتسم وهو يروي لأبنائه أنه كان أطول من شقيقه الأكبر وأنهما كانا أقصر من الشقيق الأصغر على الرغم من أن ثلاثتهم أشقاء.

يعبر أساتذة الطب المتمرسون عن هذه الحالة العقلية بأن أصحابها لا يفهمون الفسيولوجيا، ومن الطريف الذي لا يمكنني التصريح به أن بعض المهن والدراسات القريبة جدا من الطب لا تفهم -في مجملها -الفسيولوجيا ولا تدرك حدودها على نحو ما هو الحال في السياسة الأميركية الراهنة.

أقفز من هذا التبسيط النظري إلى التأمل على سبيل المثال في الإجراءات التي فرضت على الطائرات المدنية ووسائل تأمين الرحلات الجوية والمطارات؛ فأذكر ملاحظة يكاد كل القراء يشاركونني الرأي فيها، وهي أن كل هذه الإجراءات قامت على فرضية تكرر حادث 11 سبتمبر بحذافيره، وبلغ الخوف من تكرار هذا الحادث حدا تضاعفت معه السيطرة المطلقة لهذا الحادث على التصميم والتشغيل لدرجة لا نصفها بأنها مرضية فحسب، وإنما نصفها بما هي أولى به من التشخيص القاطع بأنها سرطانية.

وخذ على سبيل المثال أو حتى الخيال ما حدث عن قريب من أن الكابتن القائد لإحدى الرحلات ذهب لدورة المياه فاشتبكت مساعدته مع إحدى المضيفات في خلاف بسيط ارتفعت فيه الأصوات فلما خرج الكابتن من دورة المياه ووجد الأصوات المرتفعة آثر أن يتعامل معها بدون أن يزعج مساعدته فأغلق باب الكابينة بيده بطريقة تلقائية سريعة!! ولم يمر بخاطره أن مساعدته خارجها مشتبكة مع المضيفة!

وهكذا عاشت الطائرة عشر دقائق من الرعب المتنامي إلى أن تمكن الكابتن من تحطيم باب الكابينة والدخول إليها قبيل دقيقة أو دقيقتين من تنفيذ الأوامر العسكرية القاضية بتحطيم هذه الطائرة بمن فيها في الجو من باب الاحتياط من كوارث أكبر يتوقعها العقل من طائرة هائمة لا ترد على نداءات غرف المراقبة الجوية ولا تستجيب لأي تنبيه ولا يعرف مصير قائدها ومساعدته، ومع هذا كله فإن ما يترامى من أصوات الاشتباك من بعيد يشير إلى أن هناك معركة قائمة على متن (ولا نقول أرض) الطائرة.

لا يخرج أمر معظم الإستراتيجيات الأميركية الراهنة عن مضمون هذا الإطار الدرامي الذي أصبح يصور لنفسه أن الدنيا خلقت لتحيط بأميركا فحسب، وأن من واجب الأحياء في هذه الدنيا أن يلتزموا بما يضمن شعور الولايات المتحدة الأميركية بالأمان الذي يكفل لها ألا تفاجئها الأحداث بأي صورة مشابهة لما أربك إستراتيجياتها من قبيل الوقائع المفاجئة التي جاءت على غير توقع كامل من الأميركيين فأربكت حساباتهم في العقود الأربعة الماضية:

- فلا تشن دولة منهكة ودائرة في الفضاء السوفياتي البطيء حربا مفاجئة من أجل تحرير أرضها حتى لوكان هذا هو سبيلها الوحيد لاستعادة الكرامة والأرض والتنمية.

- ولا تنجح جماعات جهادية مسلحة في القضاء على نظام انقلابي شيوعي وسقوط اتحاد السوفياتي مع هذا الانقلاب العميل، حتى لو تم هذا برضا أو مساعدة أميركا نفسها، بل وفي صالحها أو لصالحها.

- ولا تندلع انتفاضة أطفال بريئة تعبر عن أقصى درجات القهر التي يستشعرها أبناء شعب وجدوا العالم يغض الطرف عن قوم جاءوا ليحتلوا أرضه ويطردوه منها بناء على أساطير غير منطقية.

- ولا يتسع نطاق ثروات مشروعة عبرت بأرقى ما هو ممكن عن تطلعات شريفة نحو الحق والحرية والسلام.
 

"إن الحرب العالمية الثالثة التي بدأتها أميركا ضد الإسلام باتت تشي بوضوح بأنها رغم تسارعها وانتشارها وتعدد بؤرها وتحالفاتها ومركباتها لن تنتهي بالقضاء على الإسلام ولا توهينه، بل على العكس من ذلك فإنها تمهد له ولنشره ولفهمه ولتقديره"

- ولا يكون رد الفعل الشعبي تجاه الانقلابات العسكرية المصنوعة صلبا على هذا النحو الذي جسدته المجابهة الشعبية لانقلابات مصر وتركيا ومقدونيا.

أحسب أن أميركا بمؤسساتها العقلية والسياسية أصبحت الآن في حاجة ماسة إلى إعادة صياغة جادة وجديدة لمقاربات التنبؤ الإستراتيجي والسياسي المستندة إلى تجليات حديثة في علوم النفس والاجتماع، ومدى ما يمكن لهذه التجليات أن تسهم به في إعادة صياغة الأسس الحاكمة للعلاقات والسياسات الدولية، فعلى سبيل المثال السريع جدا فإن كفاءة استصدار القرارات العسكرية تطورت بفضل أجهزة المحمول بأكثر مما تطورت بفضل الارتقاء في فعالية الذخيرة أو كفاءة الصاروخ بل إن الجندي البسيط أصبح بفضل أجهزة جي بي إس متفوقا في التفكير والمبادرة على أمهر المساحين ورسامي الخرائط ومقتفي الأثر.

وليس هناك شك في أن أميركا قادرة تماما على أن تنجز هذا التحول الإستراتيجي عبر استلهام ذكي ومتعمق لتجربتيها السابقتين في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية، ذلك أن الحرب العالمية الثالثة التي بدأتها أميركا ضد الإسلام باتت تشي بوضوح بأنها رغم تسارعها وانتشارها وتعدد بؤرها وتحالفاتها ومركباتها لن تنتهي بالقضاء على الإسلام ولا توهينه، بل على العكس من ذلك فإنها تمهد له ولنشره ولفهمه ولتقديره.

وعلى صعيد آخر فإن هذه الحرب الراهنة أثبتت بكل وضوح أن ثمن استمرار التحالف الغربي في هذه الحرب الخبيثة مكلف الى أبعد الحدود كما أن العمر الافتراضي للعملاء المحليين (أو من باب السخرية: الوطنيين) يتناقص مع الزمن بمنحنى انحداري حاد، وأن كفاءاتهم المضخمة التي يصنعها الاعلام الكاذب قد أصبحت محل نفي مستتب، وليست محل شك فحسب، وأن استنساخ عبد الناصر وحافظ وصدام ومعمر لم يعد مجديا فضلا عن أن يكون ممكنا رغم ضخامة الإنفاق على الدعاية والتلميع ورغم كفاءة التكنولوجيات الحديثة.

وهكذا فان العطب قد أصاب كل عناصر بناء هذه الإستراتيجيات الخبيثة على الرغم من استبقاء الإستراتيجية لوجاهة أهدافها وبريق منتوجاتها المرجوة أو المتمناة.

وإذا كان لي من ذكر مثل بسيط للتحول المطلوب أو الممكن في الإستراتيجية فإني أقترح على فرنسا أن تشرع فورا وفي خلال ثلاثة أشهر في بناء مائة مسجد بسيط لكنه مريح للأعصاب بحيث يكون -بالإضافة إلى وظيفته الأصلية كمصلى- مثابة لأولئك المهمشين والمأزومين من تدفق مشكلات الحياة ومفاجآتها القاسية أو الحادة، وبحيث يجدون فيه العلاج النفسي البسيط الذي هو كفيل كما علمنا التاريخ بأن يخرج بمتلقيه من مزاج سوداوي إلى حالة طبيعية على نحو ما تخبر الطبقات البرجوازية حاجتها إلى الإجازات العادية وغير العادية.

إذا نجحنا -عبر سنة أو سنتين- بخطوات من مثل هذه الخطوة في إزالة نسبة عالية من التوتر والاستقطاب وما يترتب عليهما من هذه الحوادث الفجائية غير المبررة فإننا نكون قد لجأنا إلى علاج ناجع وناجح فضلا عن أنه قليل التكلفة لكن الأهم هو أننا نكون في سبيلنا إلى الانتصار على المرض الذي بدونا وكأننا منهزمون أمامه وسعداء بتكرار الانهزام أمامه دون استيعاب لدروس الفسيولوجيا والباثولوجيا.

المصدر : الجزيرة

أضافة تعليق